الدكتور ناصر الجندي يروى لنا تفاصيل أسطورة «سيدة الخنازير وعرش العظام»

أسطورة «سيدة الخنازير وعرش العظام»

بقلم الدكتور ناصر الجندي

في أقصى الشمال، حيث تنتهي الغابات وتبدأ أرضٌ رمادية لا تنبت فيها الأشجار، قامت مملكة غريبة لم يكن لها جيش عظيم ولا أسوار شاهقة، وإنما اشتهرت بشيء واحد: امتلاكها أندر ساعةٍ في العالم، ساعةٍ لا تقيس الزمن، بل تكشف الطباع الحقيقية لمن يقف أمامها.

وكانت الساعة محفوظة داخل برجٍ من العاج الأسود، لا يقترب منها أحد إلا بإذن حراس الزمن، فقد قيل إن عقاربها لا تتحرك مع مرور الساعات، بل مع كل فعلٍ يكشف حقيقة صاحبه.

وفي تلك المملكة عاشت امرأة أطلق عليها الناس سرًّا لقب «سيدة الخنازير»، لا لأن ملامحها تشبه حيوانًا، ولا لأن أحدًا كان يجرؤ على الحديث عن هيئتها، بل لأن لها طبعًا عجيبًا لم يجد الحكماء له اسمًا أدق من ذلك.

كانت إذا دخلت مكانًا نظيفًا بحثت عن أكثر زواياه قذارة، وإذا رأت شيئًا نافعًا سألت أولًا: كيف يصبح ملكًا لها؟ وإذا وجدت إنسانًا كريمًا لا يطلب مقابلًا لما يقدمه، ظنت أنه يخفي وراء كرمه مؤامرة.

وكانت تؤمن بقاعدة ورثتها عن نفسها، لا عن أجدادها: «كل شيءٍ لا أستطيع امتلاكه يجب أن أفسده، وكل إنسانٍ لا أستطيع إخضاعه يجب أن أجعله وحيدًا».

وذات يوم، حدث في المملكة أمرٌ لم يكن في الحسبان؛ فقد اختارها مجلس الأقاليم لتتولى إدارة وادي الموازين، وهو إقليم بالغ الأهمية، تُصنع فيه الأدوات التي تحفظ التوازن بين المدن، وتُختبر فيه مهارات أصحاب الحرف، وتُحفظ في سجلاته أسماء من يستحقون التقدم ومن يحتاجون إلى التعلم.

كان الوادي يعمل وفق نظامٍ قديم لا يسمح بأن يتقدم أحدٌ لمجرد قربه من صاحب السلطة، بل لا بد أن يثبت قدرته أمام لجنةٍ من الخبراء.

غير أن سيدة الخنازير لم تفهم سر الوادي، أو لعلها فهمته جيدًا وخافت منه؛ فالنظام الذي يجعل الكفاءة معيارًا لا يترك مساحةً واسعةً للمحاباة.

ولم تمضِ أسابيع حتى ابتكرت حيلةً لم تخطر على بال أحد.

أنشأت في الوادي منصبًا جديدًا سمّته «حارس البوابة الذهبية»، ثم أعلنت أن شاغله لا يحتاج إلى اختبارٍ أو خبرة، وإنما يكفي أن يكون موضع ثقتها المطلقة.

وحين سألها أحد الحكماء عن سبب هذا الاستثناء، أجابت ببرود: «أنا أعرف الرجال أكثر من السجلات، وما أراه مناسبًا لا يحتاج إلى برهان».

لكنها لم تكتفِ بذلك؛ فقد جعلت من الثقة الشخصية عملةً تُشترى بها المناصب، ومن الصمت شهادةً على الولاء، ومن الاعتراض دليلًا على سوء الطبع.

وكانت كلما وجدت صاحب حرفةٍ ماهرًا، وضعت أمامه مهمةً مستحيلة، لا لتختبر قدرته، بل لتصنع له إخفاقًا تستطيع استخدامه ضده. فإذا نجح، قالت إن النجاح جاء مصادفة، وإذا أخفق، جعلت من إخفاقه حكايةً تتناقلها المجالس.

أما أصحابها، فكانت تمنحهم مفاتيح الورش قبل أن يتعلموا أسماء أدواتها، وتضعهم على رأس الفرق قبل أن يعرفوا كيف يعمل أفرادها.

IMG 20261022 WA0000 1

ومع ذلك، لم يكن هذا أغرب ما في أمرها.

فقد كانت تملك مزرعةً بعيدةً عن الوادي، تعيش فيها مجموعة من الخنازير البرية، وكانت تزورها كل مساء. لم تكن تطعمها لتشفق عليها، بل كانت تجلس أمامها طويلًا، تراقب كيف يتصارع بعضها مع بعض على الطعام، وكيف يدفع القوي الضعيف بعيدًا عن المعلف، وكيف يلتهم أحدها ما يستطيع قبل أن يأتي غيره.

وكانت تعود من هناك أكثر اقتناعًا بفلسفتها.

«ها هي الطبيعة تعلّمني»، كانت تقول لنفسها، «لا مكان للضعيف، ولا قيمة لمن لا يفرض نفسه، ومن يملك المعلف يملك الجميع». ولم تدرك أن ما كانت تسميه حكمةً لم يكن سوى انعكاسٍ لما استقر في داخلها.

وفي أحد أعوام الجفاف، تعطلت القنوات التي تحمل الماء إلى ورش الوادي، وتوقفت عجلاته عن الدوران، وبدأت مخازن الأدوات تفرغ من قطع الغيار. كان الخطر حقيقيًّا، ولم يكن أمام المملكة إلا أن تستدعي أمهر صانعي الموازين، وهم رجالٌ سبق أن أبعدتهم سيدة الخنازير عن مواقعهم لأنهم رفضوا منحها توقيعاتٍ لا تستند إلى حقائق.

جاءوا إلى الوادي، لا بدافع الانتقام، بل لأنهم أدركوا أن آلاف الناس سيدفعون ثمن انهياره.

وضعوا أمامها مخططًا دقيقًا لإصلاح القنوات، وشرحوا لها أن الحل يحتاج إلى ثلاثة أيام من العمل المتواصل، وإلى إعادة بعض المسؤوليات إلى أصحاب الخبرة.

تأملت المرأة المخطط، ثم سألت سؤالًا واحدًا: «ومن سيعرف الناس أنني صاحبة الحل؟»

ساد الصمت. لم يسألها أحد عن الفضل، ولم يطالبها أحد بالتنحي، لكنهم كانوا يريدون إصلاح الماء قبل أن يموت الزرع.

ومع ذلك، رفضت الخطة، وأمرت أن يتولى العمل أولئك الذين اختارتهم بنفسها.

بدأوا الحفر من الجهة الخطأ، وهدموا جدارًا كان يحمي القناة، ثم اكتشفوا أن الخرائط التي تسلموها لا يفهمون رموزها. وحين اقتربت الكارثة، أرسلت المرأة رسولًا إلى صانعي الموازين تطلب منهم إنقاذ الوادي، لكنها اشترطت ألا يظهر اسم أحدٍ منهم في السجلات، وألا تُعاد إليهم مناصبهم.

فأجاب كبير الحرفيين:«نحن مستعدون لإنقاذ الوادي، لكننا لن نساعد على تزوير الحقيقة. الماء للجميع، والفضل لمن يعمل، والمنصب أمانة لا جائزة ترضية». وعندها أصدرت أمرًا بإغلاق أبواب الورش، ظنًّا منها أن الناس سيضطرون إلى الاعتراف بفضلها حين يعجزون عن العمل من دونها.

لكنها نسيت شيئًا واحدًا: أن الوادي لم يكن قائمًا عليها، بل على آلاف الأيدي التي حاولت أن تجعلها أدواتٍ في خدمتها.

وفي الليلة نفسها، دوّت الساعة العاجية في برج الزمن للمرة الأولى منذ مئة عام. لم يسمع رنينها سكان المدن البعيدة، لكن كل من كان داخل الوادي سمع صوتًا يشبه اصطدام عظامٍ ضخمة بعضها ببعض.

اجتمع حراس الزمن، وفتحوا سجلًّا قديمًا لم يُستخدم منذ تأسيس المملكة. كان السجل ينص على أنه إذا تعطلت مصالح الوادي بسبب قراراتٍ يتخذها مسؤولٌ لحماية نفوذه، وجب عرض جميع قراراته أمام مجلس الموازين، دون استثناء.

استُدعيت المرأة إلى البرج.

دخلت مرتديةً عباءةً قرمزية، وحولها حاشيةٌ اعتادت أن تتقدمها حيثما ذهبت. وقفت أمام الساعة، وابتسمت ساخرةً حين رأت عقاربها تتحرك بعكس اتجاه الزمن.

ثم حدث ما لم تتوقعه.

لم تعرض الساعة وجهها، ولم تكشف ماضيها، بل أضاءت أسماء جميع الأشخاص الذين أبعدتهم، وإلى جوار كل اسمٍ ظهر العمل الذي أنجزه، والحق الذي حُرم منه، والأثر الذي تركه غيابه في حياة الناس.

كان المشهد أشبه بخريطةٍ هائلة من الخيوط؛ كلما أُبعد إنسانٌ كفء انقطع خيط، وكلما مُنح منصبٌ لغير مستحق اختلّ ميزان، حتى ظهر الوادي كله معلّقًا على فراغاتٍ صنعتها يدٌ واحدة.

صرخت المرأة:

«هذه خدعة! أنا صاحبة السلطة، وأنا التي أقرر من يستحق ومن لا يستحق!»

فأجابها كبير حراس الزمن: «تملكين حق اتخاذ القرار، لا حق تحويله إلى ستارٍ يحجب الحقيقة. السلطة تمنحك مسؤولية الاختيار، لكنها لا تمنحك ملكية حقوق الآخرين».

ثم أشار إلى الساعة، وقال: «لقد جئتِ إلى الوادي لتديري شؤونه، لكنك تعاملتِ معه كما تتعامل الخنازير مع المعلف؛ لم تسألي كم يحتاج الجائع، ولا من يستحق الطعام، بل كيف تحتفظين بأكبر نصيب، وكيف تمنعين الآخرين من الاقتراب».

حاولت المرأة أن تضحك، لكنها سمعت من خلفها صوتًا لم تسمعه من قبل؛ لم يكن صوت الحراس، ولا صوت المجلس، بل صوت الحاشية التي كانت تتزاحم حولها.

كان كل واحدٍ منهم يتبرأ من قراراته، ويلقي بالمسؤولية على غيره، وينكر الوعود التي قطعها لها. وفي لحظةٍ واحدة، اكتشفت أن الذين جمعتهم حولها لأنهم يشبهونها في الطمع، لم يجمعهم بها شيءٌ سوى المصلحة. فحين اختفى المعلف، اختفى الولاء.

لم تُسجن المرأة بسبب لقبٍ أطلقه الناس عليها، ولم تُعاقب لأن أحدًا رأى فيها صورةً لحيوان؛ بل خضعت لمحاكمةٍ علنية، فُحصت فيها قراراتها، وكُشفت تجاوزاتها، وأُثبتت مسؤوليتها عن تعطيل مصالح الوادي والإضرار بحقوق العاملين فيه.

وصدر القرار بعزلها، ومصادرة الامتيازات التي حصلت عليها بغير حق، وإحالتها إلى العقوبة التي قررتها قوانين المملكة.

أما الذين أُبعدوا، فعاد بعضهم إلى مواقع العمل، وتولى آخرون مهام جديدة تناسب خبراتهم، وأُعيد بناء نظام الاختيار بحيث لا يستطيع مسؤولٌ منفرد أن يجعل من هواه معيارًا لمستقبل الآخرين.

وعندما مرّت المرأة للمرة الأخيرة أمام مزرعة الخنازير، رأت أحدها يدفع الآخر بعيدًا عن المعلف، فتوقفت طويلًا، ثم قالت بصوتٍ خافت: «لقد ظننت أنني تعلّمت منكم كيف أحكم». لكن لا أحد أجابها.

فالحيوانات لم تكن قد وعدتها بالعدل، ولم تدّعِ يومًا أنها صاحبة فضيلة؛ كانت هي التي اختارت أن تتخذ من غرائزها قانونًا، ومن أنانيتها فلسفةً، ومن منصبها معلفًا لا ينتهي.

وهكذا بقيت حكايتها في ذاكرة المملكة، لا بوصفها قصة امرأةٍ قبيحة الملامح، بل بوصفها حكاية إنسانٍ تشوّهت معاييره حتى صار يرى في النزاهة خطرًا، وفي الكفاءة تهديدًا، وفي حقوق الآخرين عقبةً أمام شهوته.

وكانت الحكمة التي ختم بها حراس الزمن الأسطورة

 «ليس كل من جلس على العرش حاكمًا، وليس كل من ارتدى ثوب الوقار صاحب فضيلة. ثمة من يدخل القصر ليخدم الناس، وثمة من يدخله بعقلية المعلف؛ فإذا مُنح السلطة، لم يرتقِ بطبعه إلى مقامها، بل حاول أن يُنزِل الجميع إلى مستوى طبعه. وعندئذٍ لا تكون الكارثة في أنه صار مسؤولًا، بل في أنه أقنع نفسه بأن مسؤولية الناس هي حقه في التهام حقوقهم».

زر الذهاب إلى الأعلى