الدكتور ناصر الجندي يروى لنا أسطورة اليوم: المرأة التي سرقَت ضوء الكهوف

أسطورة اليوم: المرأة التي سرقَت ضوء الكهوف

من أعماق ما قبل التاريخ، حين كانت النار مقدسة، والحجر ذاكرة لا تنسى، والظلم لعنةً تطارد أصحابها عبر العصور.

بقلم الدكتور ناصر الجندي

في زمنٍ سحيق، قبل أن تعرف البشرية الكتابة، وقبل أن تُقام المدن العظيمة أو تُنقش أسماء الملوك على جدران المعابد، كانت هناك أرضٌ بعيدة تُسمى وادي النار الأولى، تحيط بها الجبال السوداء، وتختبئ في أعماقها كهوفٌ لم تطأها قدم إنسان منذ آلاف السنين.

كان أهل الوادي يؤمنون بأن لكل قبيلة شعلةً مقدسة، وأن هذه الشعلة لا تبقى مضيئة إلا ما دام حارسها عادلًا، وأنها تخبو حين يتحول من اؤتمن عليها إلى لصٍّ يسرق قوت الناس ويطفئ نور الشرفاء.

وكانت القبيلة الكبرى تدير شؤون الوادي من كهفٍ عظيم، تتوسطه صخرة سوداء تُسمى حجر الميزان. لم تكن الصخرة تنطق، ولم يكن لها لسان، لكن كبار السن كانوا يقولون إن الحجر يحتفظ بأثر كل يدٍ امتدت إلى ما ليس لها، وبصدى كل صوتٍ قُهر ظلمًا، وإنه يأتي يومٌ يرد فيه الحجر ما استودعه من أسرار.

المرأة التي صعدت فوق جماجم النبلاء

في تلك القبيلة ظهرت امرأة تُدعى أورما، لم تكن أقواهن بأسًا، ولا أعظمهن حكمة، لكنها أتقنت فنًّا لم يعرفه أهل الوادي من قبل؛ فقد عرفت كيف تجعل الضعيف تابعًا لها، وكيف تحوّل الخوف إلى طاعة، والمصلحة إلى ولاء، والكلمات الجميلة إلى ستارٍ يخفي وراءه أقبح الأفعال.

بدأت أورما حياتها بين حراس المخازن، ثم وجدت طريقها إلى مجلس النار، حتى انتهى بها الأمر إلى الجلوس على المقعد الحجري الأعلى، حيث تُتخذ القرارات التي تحدد مصائر الناس.

وفي أول ليلة جلست فيها على ذلك المقعد، رفعت يدها نحو سقف الكهف وقالت: «من اليوم، لن يبقى في هذا الوادي إلا من يعرف كيف يخدمني، أما الذين يظنون أن الحق أقوى من إرادتي، فسأجعلهم عبرةً لمن يعتبر».

وكان في الوادي رجالٌ ونساءٌ عُرفوا بالنزاهة والخبرة، يعرفون أسرار الينابيع، ويحفظون طرق الصيد، ويستطيعون إنقاذ القبيلة حين تجف الأرض أو تشتد العواصف.

لكن أورما لم ترَ فيهم نعمةً تحمي الوادي، بل رأت فيهم خطرًا يهدد عرشها.

فأبعدت أصحاب الخبرة عن مجالس القرار، وانتزعت منهم مفاتيح المخازن، وأسندت شؤون القبيلة إلى أشخاصٍ لا يملكون من الحكمة إلا طاعة أوامرها، ولا من المعرفة إلا قدرتهم على ترديد كلماتها.

وكان كلما اعترض أحد الحكماء، قالت إن زمنه قد انتهى، وإن القبيلة تحتاج إلى وجوه جديدة؛ لكنها كانت تختار الوجوه الجديدة وفق مقدار ما تقدمه لها من ولاء، لا وفق ما تملكه من قدرة.

وهكذا، شيئًا فشيئًا، صار أهل الوادي يسمعون الأوامر من أفواهٍ لا تعرف الطريق إلى الينابيع، ويتلقون النصائح من أناسٍ لم يختبروا قسوة الجفاف، بينما يقف أصحاب المعرفة خلف أبواب الكهوف، يتأملون ما يحدث ولا يملكون إلا الصمت.

القرابين التي لم تصل إلى النار

كان لكل فردٍ في القبيلة نصيبٌ من مخزون الحبوب والجلود والأحجار النادرة، وكانت هذه الموارد تُجمع في مخازن مشتركة حتى لا يموت أحدٌ جوعًا في الشتاء.

لكن أورما اكتشفت أن الخوف يجعل الناس يدفعون أكثر مما يملكون، وأن الصمت يمكن شراؤه كما تُشترى الأدوات.

فأحاطت نفسها بحلقةٍ من المقربين، وجعلت لكل واحدٍ منهم بابًا خلفيًّا إلى المخازن، وصار الداخل إلى مجلسها لا يخرج فارغ اليدين، والخارج منه لا يتحدث إلا بما يرضيها.

وكانت الهدايا تُقدم في أكياسٍ من الجلد، وتُخفى تحت الأحجار، ثم تنتقل إلى كهفٍ صغير لا يعرف طريقه إلا أفراد الحلقة المغلقة.

وفي المقابل، كان بعض المقربين يحصلون على مواقع لم يستحقوها، ويُعفى آخرون من المحاسبة، بينما يُحرم أصحاب الحق من نصيبهم، ويُتهم كل من يسأل عن الحبوب المفقودة بأنه عدوٌّ للقبيلة.

وذات مساء، وقفت امرأة عجوز أمام مخزن الحبوب، تحمل طفلًا أنهكه الجوع، وقالت لحارس الباب: «أخبروا سيدة الكهف أنني لا أطلب ذهبًا ولا حجرًا كريمًا، بل حفنة حبوبٍ تكفي طفلي حتى الصباح».

وصل الخبر إلى أورما، فنظرت إلى رسولها بازدراء وقالت: «لو فتحت الباب لكل محتاج، لما بقي لي شيء».

ولم تكن تعلم أن كلماتها وصلت إلى آذان رجلٍ عجوز كان يجمع الحطب قرب مدخل الكهف، وأن ذلك الرجل سيصبح، دون أن يقصد، أول من يفتح الطريق إلى سقوطها.

الجرس الذي لم تصنعه يد بشر

على أطراف الوادي، عثر أحد الصيادين ذات يوم على جسمٍ غريب بين الصخور؛ قطعة من معدنٍ داكن، مجوفة من الداخل، إذا اصطدمت بحجرٍ أطلقت رنينًا عميقًا يمتد صداه بين الجبال.

حملها الصياد إلى مجلس النار، فقررت أورما أن تجعلها رمزًا لسلطتها، وأمرت بتعليقها عند مدخل الكهف، حتى لا يجتمع الناس أو يتقدم أحدٌ بشكوى إلا بإذنها.

لكن رجلًا مسنًّا يُدعى “هاروك،” كان آخر حراس العهد القديم، اقترب من الجرس وقال: «هذا الصوت لا يصلح أن يكون ملكًا لأحد. فالجرس الذي يمنع الناس من الكلام ليس رمزًا للسلطة، بل شاهدٌ على خوفها».

غضبت أورما، وأمرت بإبعاده عن المجلس، ثم أرسلت من يهدده كي يغادر الوادي.

غير أن هاروك لم يهرب.

كان يعرف أن القبيلة لا تنهار حين يجوع أهلها فحسب، بل حين يفقدون الثقة في كل من يقودهم، وحين يصبح الخوف أقوى من الحقيقة.

لذلك بدأ يجمع آثار ما حدث: أحجارًا صغيرة نُقشت عليها علامات المخازن، وقطعًا من العظام سُجلت عليها حصص الطعام بطريقة أهل الوادي، وأكياسًا فارغة عُثر عليها قرب الكهف السري.

لم تكن تلك كتابةً بالمعنى الذي نعرفه اليوم، لكنها كانت سجلًا مفهومًا لمن عرف رموزه.

وكلما اكتشف شيئًا جديدًا، وضعه في تجويفٍ داخل حجر الميزان.

الليلة التي انشق فيها الجبل

مرّت مواسم كثيرة، وازدادت أورما ثراءً، بينما أخذ الوادي يفقد قوته.

جفت بعض الينابيع لأن الذين يعرفون مسارات المياه أُبعدوا عن العمل، وضاعت قطعانٌ كاملة لأن الحراس الجدد لم يعرفوا ممرات النجاة، وتكدست الحبوب في المخازن المغلقة حتى فسدت، في الوقت الذي كان الأطفال يبحثون فيه عن جذور النباتات بين الصخور.

ومع ذلك، ظلت أورما تقيم الاحتفالات، وتشعل النار أمام مجلسها، وتطلب من الجميع أن يهتفوا باسمها.

وفي إحدى الليالي، هبت عاصفة لم يشهد الوادي مثلها من قبل. اهتزت الجبال، وتساقطت الأحجار من سقف الكهف العظيم، وانطفأت المشاعل واحدةً بعد أخرى.

حاول المقربون من أورما الهرب بأكياسهم، لكن الطريق إلى الكهف السري انهار، وانكشفت الممرات التي أخفوها عن الناس.

وفي قلب الفوضى، سقطت الصخرة التي كانت تغطي تجويف حجر الميزان، فظهرت العلامات التي جمعها هاروك على مدى شهور طويلة.

رآها حراس القبيلة، ثم تناقلوها بين الناس، وبدأت الأرقام والرموز تتضح: حصصٌ اختفت، وأكياسٌ خرجت ليلًا، وأسماءٌ حصلت على امتيازات لم يعرف أحدٌ سببها.

لم يكن غضب الناس هذه المرة صراخًا عابرًا أمام أبواب الكهف؛ لقد صار لديهم ما يستطيعون فحصه، وما يمكن مقارنته، وما يكشف أين ذهبت موارد القبيلة.

وحين أشرقت الشمس، لم يتقدم أحدٌ لتحية أورما.

كان الجرس يتأرجح عند المدخل، يضربه الهواء وحده، فيخرج منه صوتٌ متقطع كأنه يعلن نهاية عهدٍ طويل.

السقوط من عرش النار

حاولت أورما أن تستعيد سيطرتها، فأمرت باعتقال هاروك، واتهمت الحكماء الذين أبعدتهم بالتآمر عليها، وهددت كل من يقترب من حجر الميزان.

لكن هذه المرة لم ينحنِ الحراس.

تقدم كبير الحراس، ووضع أمامها الأكياس التي استُخرجت من الكهف السري، ثم قال: «لقد حميتُ بابك طويلًا لأنني ظننت أنني أحمي القبيلة. واليوم عرفت أنني كنت أحمي خوفك».

أمرت أورما بقتله، إلا أن أحدًا لم يتحرك لتنفيذ الأمر.

وفي مجلسٍ مفتوح حضره شيوخ القبيلة وحراس المخازن وأصحاب الخبرة الذين أُقصوا، كُشفت الأدلة، وشُهد على الوقائع، وأُعطي كل طرفٍ فرصة للكلام.

لم يسقط عرش أورما بسبب عاصفة وحدها، ولا لأن الجرس امتلك قوةً سحرية، بل لأن الظلم الذي ظنت أنها دفنته تحت الصخور صار ظاهرًا أمام الجميع.

صدر الحكم بعزلها، واسترداد ما ثبت استيلاؤها عليه، ومحاسبتها على ما ارتكبته من جرائم، وإيداعها السجن الحجري الذي كانت القبيلة تحتجز فيه من يهدد أمنها.

أما الذين شاركوها في نهب المخازن أو زوروا سجلات الحصص، فقد خضع كل منهم للمحاسبة بحسب ما ثبت عليه، ولم يعد القرب من صاحبة العرش حصانةً تحمي أحدًا.

النهاية المأساوية في سجن الظلام

كان السجن يقع أسفل الجبل، في حفرةٍ باردة لا تصل إليها الشمس إلا دقائق قليلة، وقد بُني قديمًا خلف بوابة من الصخور الثقيلة.

IMG 20261021 WA0058

هناك، وجدت أورما نفسها للمرة الأولى بلا حراسٍ يفتحون لها الطريق، ولا خدمٍ يحملون إليها الطعام، ولا تابعين يرددون كلماتها قبل أن تنهي حديثها.

في البداية، ظنت أن الأمر لن يطول، وأن المقربين الذين أغدقت عليهم العطايا سيعودون لإنقاذها.

لكن الأيام مرّت، ولم يأتِ أحد.

ثم جاءت الليالي الطويلة، فصارت تسمع قطرات الماء تتساقط في الممر، وصدى خطوات الحراس وهم يمرون أمام بابها دون أن يتوقفوا، وصوت الجرس البعيد حين تهب الرياح فوق الوادي.

كانت قد اعتادت أن ترى في الناس أدواتٍ لخدمتها، فإذا بها تكتشف أن من اشترتهم بالهدايا لم يكن بينهم من يحبها، وأن الذين أقصتهم لم يكونوا أعداءها، بل كانوا آخر من يستطيع إنقاذ الوادي من أخطائها.

ومع مرور الزمن، ساءت أحوالها في ذلك السجن القاسي، وأصابها المرض والضعف، حتى غدت عاجزةً عن الوقوف طويلًا، وأصبحت أيامها الأخيرة ثقيلةً لا يخففها مالٌ ولا منصبٌ ولا أمرٌ تستطيع إصداره.

وفي ليلةٍ شديدة البرد، حين كانت الرياح تعوي في شقوق الجبل، سمعت الجرس يدق ثلاث مرات.

تعلقت بقضبانه، وصاحت في الحارس أن يفتح الباب، ثم نادت أسماء الذين كانوا يحيطون بها يومًا، واحدًا بعد الآخر.

لكن أحدًا لم يجب.

وفي الصباح، وجدها الحراس قد فارقت الحياة في زنزانتها، بعد نهاية قاسية أغلقت صفحة المرأة التي ظنت أن السيطرة على الناس تعني امتلاك مصائرهم.

لم يُقم لها أهل الوادي احتفالًا، ولم يطاردوا ذكراها بالشتائم، بل تركوا اسمها محفورًا على حجرٍ عند مدخل السجن، حتى يتذكر القادمون كيف انتهى عهدها.

وكانت تلك النهاية مأساوية لا لأنها ماتت وحيدةً فحسب، بل لأنها قضت سنواتها الأخيرة محاطةً بالصمت الذي صنعته بيديها، بعدما بددت الثقة، وأقصت أصحاب الكفاءة، وجعلت المنفعة الشخصية فوق مصلحة الجماعة.

حين عاد النور إلى الكهف

بعد سقوط أورما، عاد الحكماء إلى مواقعهم، وأُعيد تنظيم المخازن، ووُضعت قواعد تمنع احتكار القرار، وصار لكل فردٍ الحق في السؤال عن موارد القبيلة، كما أصبح اختيار المسؤولين قائمًا على المعرفة والقدرة، لا على الولاء الشخصي.

أما الجرس، فلم يعد يُعلّق على باب حاكمٍ واحد، بل وُضع في ساحة الوادي، وصار يُقرع حين يحتاج الناس إلى الاجتماع ومناقشة أمرٍ يمس حياتهم.

ويُروى أن هاروك وقف ذات يوم أمام الأطفال، وأشار إلى الجبل الذي ابتلع أسرار أورما، ثم قال:

«لا تخافوا من صاحب المنصب حين يعلو صوته، بل خافوا من اليوم الذي يصبح فيه الخطأ قانونًا، ويصبح فيه الصادق غريبًا، ويُكافأ فيه من يرضي الحاكم بدلًا ممن يحمي الناس. فالظلم لا يبدأ حين يأخذ الظالم كل شيء، بل حين يقنع الآخرين أن السكوت هو الثمن الذي يجب دفعه كي يبقوا آمنين».

ومنذ ذلك الحين، صار أهل الوادي يرددون حكمةً تناقلتها الأجيال: «من يُطفئ نور الشرفاء ليبدو وحده مضيئًا، لا يدرك أنه يحوّل مملكته إلى كهف، حتى تأتي لحظةٌ لا يجد فيها طريقًا للخروج من ظلامه».

وهكذا انتهت أسطورة أورما، المرأة التي سرقت ضوء الكهوف، لا لأن الحجر انتقم منها، ولا لأن الجرس لعنها، بل لأن كل ظلمٍ يترك وراءه آثارًا، وكل منصبٍ مهما ارتفع يظل أمانةً، وكل سلطةٍ تنسى أصحاب الحق قد تجد نفسها يومًا أمام الحقيقة التي حاولت دفنها.

فالتاريخ لا يحتاج دائمًا إلى قلمٍ كي يحفظ الحكاية؛ أحيانًا تكفيه آثار الأقدام على التراب، وأكياس الحبوب الفارغة، وباب سجنٍ لا يفتحه الذهب.

زر الذهاب إلى الأعلى