
الدكتور ناصر الجندي يروى لنا “فصول من أسطورة العرش الذي ابتلعه الطين”
أسطورة العرش الذي ابتلعه الطين
حكاية رمزية من بابل القديمة، حين كانت الأختام تُطبع على ألواح الطين، وكانت الآلهة في مخيلة الناس شاهدةً على عدالة الملوك وظلمهم.
بقلم الدكتور ناصر الجندي
الفصل الأول: سيدة بوابة الأسود
في زمن سحيق، حين كانت بابل العظيمة تتلألأ تحت شمس بلاد الرافدين، وتشق القوافل طريقها بين المعابد والأسواق، ويحمل الكتبة ألواح الطين الرطب إلى دواوين القصر، كانت هناك مدينة تُدعى «إيشارا»، يحكمها ملك عُرف بالحكمة، ويستعين في إدارة أقاليمه برجال ونساء أفنوا أعمارهم في معرفة شؤون البلاد وحفظ أسرارها.
وكانت بين كبار القائمين على شؤون المملكة امرأة تُدعى «نابيرا»، أسند إليها الملك إدارة الإقليم الجنوبي، ومنحها خاتمًا من اللازورد، لا يُختم به أمر إلا أصبح نافذًا في جميع المدن التابعة لها.
في سنواتها الأولى، أحسنت نابيرا إدارة شؤون الإقليم، وعرف الناس عنها الحزم وسرعة اتخاذ القرار، لكن السلطة التي بدأت في يدها أمانةً أخذت تتحول شيئًا فشيئًا إلى ملكية خاصة، حتى صارت ترى أن من يخالف رأيها ينتقص من هيبتها، وأن من يناقش قراراتها لا يستحق البقاء في منصبه.
وكانت تحيط بها جماعة من أصحاب المصالح، يتنافسون على رضاها كما تتنافس القوافل على أبواب الأسواق في موسم التجارة، وقد أدركوا سريعًا أن الطريق إلى المناصب لا يمر عبر المعرفة والخبرة، وإنما عبر القدرة على ترديد ما تحب سماعه.
وفي أحد مجالس القصر، قال لها كبير كتبتها:
«يا سيدتي، إن الرجال الذين يخشونك لا يخطئون في حضورك».
فأجابته وهي تتأمل خاتمها الأزرق:
«إذن، اجعلوا حولي رجالًا لا يخشون شيئًا إلا غضبي».
ولم يكن ذلك مجرد قول عابر، بل صار قاعدة حكم لم تُكتب على ألواح الطين، لكنها نُفذت في كل مدينة وقرية.
الفصل الثاني: الألواح التي دُفنت في الرمال
كان أول من أُبعد عن منصبه رجلًا يُدعى «أور-إيتان»، وهو حاكم مخضرم تولى إدارة قنوات المياه، وكان يعرف مواعيد الفيضان، ومقادير المياه التي تحتاج إليها الحقول، والأماكن التي ينبغي تقوية سدودها قبل موسم الأمطار.
وحين حذّر نابيرا من أن أحد السدود القديمة لن يصمد أمام ارتفاع النهر، رفضت الاستماع إليه، لأنه اعترض على مشروع اقترحه أحد المقربين منها، كان يهدف إلى تحويل جزء من مياه القناة إلى أراضٍ يملكها أصحاب النفوذ.
عُزل أور-إيتان، وأُسندت مهمته إلى شاب يُدعى «زاقيرو»، لم تكن له خبرة طويلة في إدارة المياه، لكنه كان بارعًا في إقامة الولائم، وحفظ أسماء أصحاب القصر، ومعرفة اللحظة التي ينبغي أن يضحك فيها المجلس.
وقبل أن يغادر أور-إيتان المدينة، نقش على لوح صغير تحذيرًا من انهيار السد، ثم وضعه في مخزن المعبد، حيث تُحفظ سجلات المواسم والفيضانات.
وبعده أُبعدت «إيلّاتو»، أمينة مخازن الحبوب، لأنها رفضت أن تسمح بصرف كميات كبيرة من القمح إلى بيوت المقربين دون تسجيلها في دفاتر المعبد. وحين قالت إن مخزون الحبوب أُعد لمواجهة سنوات الجفاف، اتهمتها نابيرا بأنها تعرقل خططها وتتمسك بعادات الماضي.
ثم جاء دور «شاماش-إيدين»، قاضي المدن السبع، الذي رفض تغيير حكم قضائي صدر ضد تاجر نافذ تربطه صلة بأحد رجال القصر. لم يرفع القاضي صوته، ولم يتهم أحدًا، وإنما وضع أمام نابيرا نسخة من القانون البابلي، وأشار إلى أن الحكم ينبغي أن يستند إلى النصوص والشهادات، لا إلى مكانة المتخاصمين.
فكان جزاؤه أن فقد منصبه، وأُبعد إلى مدينة بعيدة عند أطراف المملكة.
وهكذا، خلال سنوات قليلة، خلت مجالس الإقليم من أصحاب الخبرة، وصار كل منصب كبير مكافأةً لمن يثبت ولاءه، لا لمن يستطيع حمل أعبائه.
لكن نابيرا لم تدرك أن الطين الذي تُكتب عليه الأوامر يحتفظ أحيانًا بما يظن أصحاب السلطة أنهم محوه.
الفصل الثالث: يوم غضب الفرات
في السنة التاسعة من حكم نابيرا، جاءت الأمطار غزيرة على نحو لم تشهده الأجيال القريبة، وارتفع منسوب الفرات، واندفعت المياه نحو الأراضي المزروعة.
بدأ السد الذي حذّر منه أور-إيتان يتصدع، لكن زاقيرو لم يفهم الإشارات التي أرسلها حراس القنوات، وظل ينتظر أمرًا من القصر، بينما كانت المياه تتسلل من الشقوق وتقترب من الحقول.
وفي ليلة سوداء، انكسر السد.
اندفعت المياه إلى القرى، وجرفت مخازن صغيرة، وأغرقت مساحات واسعة من الزرع، واضطر السكان إلى الفرار نحو الأراضي المرتفعة. وفي الوقت نفسه، كشفت جردة عاجلة لمخازن الحبوب أن كميات كبيرة اختفت من السجلات، وأن ما بقي لا يكفي لإطعام القرى المتضررة.
وصلت الأخبار إلى نابيرا، فاستدعت كبار مسؤوليها، وأمرتهم بإعداد تقرير يحمّل حراس السد مسؤولية الكارثة، ويصف نقص الحبوب بأنه نتيجة اضطراب الأسواق.
لكن أحد الكتبة الشباب، وكان يُدعى «بيل-أخّو»، رفض أن يكتب ما لم يشهده بنفسه. لقد وجد في مخزن المعبد ألواحًا قديمة تحمل تحذير أور-إيتان، وسجلات إيلّاتو التي تثبت كميات الحبوب المصروفة، ونسخة من الحكم الذي رفض شاماش-إيدين تغييره.
جمع الألواح، ووضعها في سلة من القصب، ثم حملها إلى معبد الإله شمش، حيث كان الكهنة يحتفظون بنسخ من المعاملات الكبرى، لا لتقديس أصحابها، بل لضمان ألا تضيع الحقوق إذا تبدلت الوجوه في القصر.
وهناك، طلب مقابلة كبير كهنة المعبد.
قال له الكاهن:
«أتدرك ما تفعل؟ إنك تضع اسمك إلى جوار أسماء أصحاب السلطة».
فأجاب بيل-أخّو:
«بل أضعه إلى جوار ما كُتب، فإن كان ما كُتب باطلًا فليُثبتوا بطلانه، وإن كان حقًا فلا ينبغي أن يخاف أحد من قراءته».

الفصل الرابع: الملك يستدعي أصحاب الألواح
وصلت أخبار الكارثة إلى الملك «مردوخ-بالاسو» في بابل، ولم يكتفِ بالتقارير التي بعثتها نابيرا، فقد لاحظ اختلاف الأرقام بين سجلات القصر ونسخ المعبد، فأرسل رسولًا يحمل لوحًا مختومًا يأمر فيه بفتح تحقيق ملكي في إدارة الإقليم.
وكان أمر الملك واضحًا: تُستدعى نابيرا وجميع المسؤولين الذين شاركوا في القرارات موضع التحقيق، كما يُستدعى كل من أُبعد عن منصبه خلال السنوات الماضية، وتُفحص الألواح الأصلية بحضور شهود مستقلين.
عاد أور-إيتان من منفاه، وجاءت إيلّاتو تحمل نسخًا من حسابات المخازن، ووصل شاماش-إيدين ومعه نصوص الأحكام التي رفض تغييرها.
لم يعودوا في مواكب منتصرين، ولم يطلبوا الانتقام ممن أهانهم، بل وقفوا أمام مجلس التحقيق، وكل منهم يحمل ما يستطيع إثباته.
وعندما دخلت نابيرا القاعة، رأت الألواح مصطفة أمام القضاة، وقد جُعل لكل لوح رقم وتاريخ، ووُضعت إلى جواره النسخة المحفوظة في المعبد.
للمرة الأولى، لم يكن خاتمها الأزرق هو الشيء الأهم في القاعة.
الفصل الخامس: محاكمة خاتم اللازورد
استمرت المحاكمة أربعين يومًا، واستمع القضاة إلى الشهود، وقارنوا أوامر القصر بسجلات المخازن، وفحصوا حسابات القنوات، واستدعوا المسؤولين الذين تولوا المناصب بعد إبعاد أصحابها.
وثبت أن نابيرا أصدرت قرارات بإبعاد مسؤولين دون أسباب إدارية معتبرة، وأنها تجاهلت تحذيرات موثقة بشأن السد، وأن بعض المقربين منها تلاعبوا بحسابات الحبوب، كما ثبت تورط عدد من كبار مسؤوليها في إخفاء السجلات وصرف المؤن بغير وجه حق.
لم يكن كل من عمل معها مذنبًا، ولم يكن كل من عارضها بريئًا لمجرد معارضته؛ فقد فُحصت مسؤولية كل شخص على حدة، واستُمع إلى دفاع المتهمين قبل إصدار الأحكام.
وفي اليوم الأخير، وقف كبير القضاة وقال:
«إن الخاتم الذي يُطبع على الطين يمنح الأمر صورته، لكنه لا يمنحه عدالته. ومن ظن أن سلطته تعفيه من الحساب، فقد جعل من المنصب صنمًا، ومن القانون قربانًا».
ثم نطق بالحكم.
عُزلت نابيرا من منصبها، وثبتت عليها جرائم إساءة استعمال السلطة والتلاعب بالسجلات والتسبب المتعمد في إخفاء المخالفات، فحُكم عليها بالسجن اثني عشر عامًا، ومصادرة الأموال التي ثبت اكتسابها بغير حق.
أما زاقيرو، وعدد من كبار معاونيها، فقد صدرت بحقهم أحكام بالسجن لمدد متفاوتة، بعد ثبوت مسؤولية كل منهم عن مخالفات جسيمة. وأُعيدت الأموال المستردة إلى خزائن الإقليم، وخُصص جزء منها لإصلاح السدود وتعويض القرى المتضررة.
وأما المسؤولون الذين لم تثبت إدانتهم، فأُطلق سراحهم، لأن مجلس الحكم أعلن أن العدالة لا تكتمل بمعاقبة المذنب وحده، بل تكتمل أيضًا برفض معاقبة البريء.
وفي صباح اليوم التالي، سارت نابيرا بين حارسين عبر بوابة القصر، وقد نزعت من يدها خاتم اللازورد، ووُضعت مكانه قيود من الحديد.
وكانت تلك أول مرة ترى فيها بوابة الأسود من الخارج، لا من فوق شرفتها العالية.
الفصل السادس: حين تكلمت الألواح
لم يُعِد الملك المناصب إلى أصحابها السابقين بصورة آلية، بل أمر بمراجعة الإدارة كلها، واختيار المسؤولين وفق خبراتهم وسجلات أعمالهم، مع تحديد اختصاصاتهم وطرق مساءلتهم.
عاد أور-إيتان للإشراف على إصلاح قنوات المياه بعد تقييم خبرته، وتولت إيلّاتو تنظيم مخازن الحبوب وفق نظام جديد يمنع الصرف دون تسجيل مزدوج، بينما عُهد إلى شاماش-إيدين بمراجعة إجراءات القضاء وضمان استقلال الأحكام عن نفوذ أصحاب المال والجاه.
أما بيل-أخّو، الكاتب الشاب، فقد كُلّف بنسخ السجلات المهمة على ألواح تحفظ في مكانين مختلفين، حتى لا يستطيع صاحب سلطة أن يمحو الحقيقة بمجرد تحطيم لوح واحد.
وفي ساحة المعبد، أمر الملك بنقش عبارة على حجر كبير:
«إذا صمت الرجال خوفًا، تكلمت السجلات. وإذا حاولت السلطة دفن الحقيقة، أخرجها الزمن من الطين».
ويُحكى أن نابيرا، بعد أعوام في سجنها، طلبت لوحًا صغيرًا وقلمًا من القصب، وكتبت عليه كلمات لم يقرأها أحد إلا حارسها:
«لقد ظننت أن إبعاد الرجال سيُبعد عني أخطاءهم، وأن إسكات النصيحة سيجعل الخطر يختفي، وأن إحاطة نفسي بالمطيعين ستجعل المملكة أكثر أمانًا. لكنني حين أبعدت من يعرفون، بقيت وحدي بين من لا يعرفون».
ثم أعادت اللوح إلى الحارس، ولم تطلب أن يُرسل إلى القصر.
وهكذا بقيت أسطورة العرش الذي ابتلعه الطين تُروى في بلاد الرافدين، لتذكّر الناس بأن صاحب السلطة قد يستطيع أن يغيّر الوجوه، ويبدّل الأختام، ويُقصي أصحاب الخبرة من مجالس الحكم، لكنه لا يستطيع أن يمنع الحقيقة من الظهور إلى الأبد؛ فالألواح التي تُدفن في الأرض قد تعود يومًا لتشهد على من ظن أن الأرض لن تتكلم.