الدكتور ناصر الجندي “من إعداد القادة إلى تجديد المؤسسات: رؤية استراتيجية لبناء دولة لا تتوقف على الأشخاص”

من إعداد القادة إلى تجديد المؤسسات: رؤية استراتيجية لبناء دولة لا تتوقف على الأشخاص

 تغطية كلمة الرئيس في حفل تخرج الأكاديمية والكليات العسكرية بتاريخ 17 أكتوبر 2026 

بقلم الدكتور ناصر الجندي

ليست قوة الدولة في أن تمتلك مؤسسات قائمة فحسب، وإنما في أن تمتلك القدرة على ضمان استمرارها قوية وفاعلة، مهما تغيرت الأسماء وتبدلت المواقع. فالدولة التي تفكر في حاضرها وحده قد تنجح لبعض الوقت، أما الدولة التي تستعد للمستقبل، وتُعِدُّ من يتحملون مسؤولياته قبل أن يحين موعدها، فهي التي تؤسس لاستدامة النجاح وتحمي إنجازاتها من التراجع.

ومن هنا تكتسب كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية والكليات العسكرية، في السابع عشر من أكتوبر 2026، أهمية تتجاوز مناسبة الاحتفال بالخريجين؛ إذ طرح الرئيس قضية استراتيجية تتعلق بإعداد جيل جديد قادر على تحمل مسؤولية قيادة الدولة، وأكد أهمية وضع معايير للاختيار تتسم بالإنصاف والتجرد، مع الاستعداد المبكر للاستحقاقات المقبلة.

إن جوهر هذه الرسالة لا يتعلق بمجرد إعداد أسماء لشغل مواقع مستقبلية، بل يفتح الباب أمام سؤال أعمق: كيف نبني دولة تمتلك من الكفاءات والقدرات المؤسسية ما يجعل انتقال المسؤولية عملية منظمة، لا مغامرة غير محسوبة، ولا فرصة تخضع للمصادفة أو العلاقات الشخصية؟

إعداد القادة ليس إجراءً مؤقتًا، بل ثقافة دولة

حين تتحدث القيادة السياسية عن إعداد كوادر قادرة على تحمل المسؤولية، فإننا نكون أمام مفهوم يتجاوز التدريب التقليدي أو تأهيل مجموعة من الأفراد لشغل مناصب بعينها. فإعداد القائد الحقيقي يبدأ باكتشاف الكفاءة، ويمر ببناء المعرفة والخبرة، ويكتمل باختبار القدرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه والعمل من أجل المصلحة العامة.

وهذه الفلسفة لا ينبغي أن تظل محصورة في قمة الهرم السياسي أو في المؤسسات المعنية بإعداد القيادات العليا، بل تستحق أن تتحول إلى ثقافة عمل تمتد إلى مختلف مؤسسات الدولة وقطاعاتها؛ لأن كل موقع مسؤولية يمثل حلقة في سلسلة الأداء الوطني، وأي ضعف في إحدى حلقاتها قد ينعكس على كفاءة المؤسسة بأكملها.

فالمحافظة على استقرار الدولة لا تعني تثبيت الأشخاص في مواقعهم إلى أجل غير محدد، كما أن التجديد لا يعني تغييرهم لمجرد التغيير. المعيار الحقيقي هو قدرة المسؤول على تحقيق النتائج، وتطوير الأداء، وصيانة المال العام، واحترام القانون، وإعداد من يستطيعون مواصلة العمل من بعده.

وهنا يصبح التجديد المؤسسي ضرورة إدارية ووطنية، لا مجرد قرار لتغيير الوجوه.

المنصب مسؤولية لا ملكية شخصية

من أخطر المشكلات التي قد تواجه المؤسسات أن يتحول المنصب، مع مرور الوقت، من مسؤولية مؤقتة إلى مساحة يعتقد شاغلها أنها حق مكتسب، وأن استمرار وجوده أهم من النتائج التي يحققها.

في هذه الحالة، قد تتراجع قيمة الإنجاز أمام قيمة البقاء، وتصبح المحافظة على الموقع هدفًا في حد ذاته، بينما تتراجع المبادرة، وتضيق مساحة الاجتهاد، ويجد أصحاب الأفكار والكفاءات أنفسهم أمام أبواب مغلقة لا لأنهم عاجزون عن العمل، بل لأن منظومة الاختيار والترقية لم تمنحهم الفرصة العادلة.

ولا يعني ذلك أن طول مدة الخدمة دليل على ضعف الكفاءة؛ فقد تصنع السنوات خبرة لا تُقدَّر بثمن. لكن الخبرة الحقيقية هي التي تتحول إلى إنجاز، وتساعد المؤسسة على التقدم، وتنقل المعرفة إلى الأجيال التالية. أما مجرد مرور الزمن في المنصب، دون تطوير أو نتائج تتناسب مع المسؤولية، فلا ينبغي أن يكون وحده مبررًا للاستمرار.

إن المسؤول الناجح لا يُقاس بعدد السنوات التي بقيها في موقعه، بل بما تركه من أثر، وما أنجزه من عمل، وما أعده من كوادر، وما أنشأه من نظم تستطيع مواصلة النجاح حتى بعد مغادرته.

حين يتجمد الظل ويحجب الضوء

لعل صورة «الظل المتجمد» تختصر جانبًا من هذه المشكلة؛ فالظل في طبيعته يتغير مع حركة الضوء، أما حين نتخيله متجمدًا في مكانه، فإنه يصبح رمزًا لموقع بقي صاحبه فيه طويلًا حتى فقد القدرة على مواكبة ما حوله.

والأخطر أن الظل المتجمد لا يكتفي بغياب الحركة، بل قد يحجب الضوء عن براعم جديدة تنتظر فرصة للنمو. وهنا لا تكون الخسارة في غياب إنجاز المسؤول وحده، وإنما في ضياع فرص الآخرين، وتأخر أفكار كان يمكن أن تغير واقع المؤسسة، وإهدار طاقات كان من الممكن توجيهها إلى خدمة المواطنين.

لكن الحل ليس في استبدال كل قديم بجديد، ولا في افتراض أن الشباب وحدهم يمتلكون القدرة على التطوير؛ فالمؤسسات الناجحة هي التي تجمع بين حكمة الخبرة وحيوية التجديد، وتمنح الفرصة لمن يستحقها وفق معايير معلنة، بعيدًا عن المجاملة أو الولاء الشخصي أو الخصومة.

فالضوء لا يُقاس بعمر المصباح، وإنما بقدرته على الإنارة، كما أن القيادة لا تُقاس بحداثة صاحبها أو أقدميته، بل بقدرته على تحمل المسؤولية وتحقيق المصلحة العامة.

من قمة الدولة إلى أصغر موقع قيادي

إذا كان إعداد جيل جديد لقيادة الدولة يتطلب معايير دقيقة واختيارًا منصفًا واستعدادًا مبكرًا، فإن المنطق المؤسسي نفسه يدعونا إلى تطبيق هذه المبادئ على مختلف مستويات الإدارة العامة.

فالوزارة تحتاج إلى قيادات قادرة على تحويل السياسات إلى نتائج، والمحافظة تحتاج إلى مسؤولين يجيدون إدارة الموارد والاستجابة لاحتياجات المواطنين، والمديريات والإدارات تحتاج إلى قيادات تمتلك الخبرة والنزاهة والقدرة على تطوير الأداء، لا مجرد شغل المقاعد والمحافظة عليها.

ولا يمكن أن نطالب المؤسسات بإعداد قادة للمستقبل بينما تظل بعض مواقعها مغلقة أمام الكفاءات القادرة على التطوير. كما لا يمكن أن نتحدث عن بناء الإنسان إذا لم تكن هناك منظومة عادلة لاكتشاف الموهوبين، وتدريبهم، وتقييم أدائهم، وإعدادهم لتحمل مسؤوليات أكبر.

إن تجديد القيادات ليس قرارًا إداريًا منفصلًا عن التنمية؛ بل هو أحد الشروط التي تساعد على تحقيقها. فكل مسؤول يمتلك رؤية واضحة، ويستطيع اتخاذ القرار، ويؤمن بالعمل الجماعي، ويمنح الكفاءات فرصة حقيقية، يمكن أن يضيف إلى مؤسسته قيمة تتجاوز حدود موقعه المباشر.

وفي المقابل، فإن غياب المعايير الواضحة يضعف الثقة، ويشجع على السلبية، وقد يدفع أصحاب الكفاءة إلى الانسحاب من المبادرة حين يشعرون بأن الاجتهاد لا يضمن فرصة عادلة.

IMG 20261017 WA0039 1كيف يتحول التوجيه إلى منظومة مستدامة؟

إن الاستفادة الحقيقية من الرسالة التي طرحها الرئيس لا تتحقق بمجرد ترديد أهمية إعداد القادة، وإنما بتحويل هذه الفكرة إلى قواعد عملية يمكن قياس نتائجها ومراجعتها.

ويبدأ ذلك بوضع معايير معلنة لشغل المواقع القيادية وتجديد الثقة في شاغليها، تستند إلى الكفاءة والنزاهة والخبرة والإنجاز، مع تقييم موضوعي لا يخضع للأهواء الشخصية.

ثم يأتي دور بناء صف ثانٍ وثالث من القيادات، من خلال التدريب العملي وتبادل الخبرات والتكليفات التي تكشف القدرات الحقيقية، بدلًا من الاكتفاء بالشهادات أو الانطباعات العامة.

ويكتمل هذا المسار بوجود نظام للمساءلة يربط المسؤولية بالنتائج، ويمنح المسؤول الناجح حقه في التقدير والاستمرار وفق القواعد، ويتيح في الوقت نفسه انتقالًا منظمًا للمسؤولية عندما تتطلب المصلحة العامة ذلك.

والأهم أن يكون التجديد المؤسسي قائمًا على قواعد مستقرة، لا على قرارات متفرقة؛ لأن المؤسسة القوية ليست التي تنتظر تغيير مسؤول حتى تبدأ في الإصلاح، وإنما التي تمتلك نظامًا يجعل التطوير جزءًا من عملها اليومي.

الدولة التي تُعِدُّ من يخلفها لا تخشى المستقبل

إن المعنى الأعمق لإعداد القادة هو أن يدرك المسؤول أن نجاحه لا يكتمل بما يحققه بنفسه فحسب، وإنما بما يتركه وراءه من كفاءات قادرة على مواصلة المسيرة. فالقائد الذي يجعل المؤسسة معتمدة عليه وحده قد يحقق نجاحًا مؤقتًا، أما القائد الذي يبني فريقًا قويًا، ويؤسس نظامًا فعالًا، ويُعِدُّ من يستطيعون تحمل المسؤولية من بعده، فإنه يشارك في صناعة مستقبل المؤسسة والدولة معًا.

ومن هنا، فإن التجديد المؤسسي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره صراعًا بين الأجيال، أو دعوة إلى إبعاد أصحاب الخبرة، بل باعتباره عملية مستمرة تضمن أن يكون كل موقع في أيدٍ قادرة على أداء واجباته، وأن تظل الفرص مفتوحة أمام الكفاءات التي تستحقها.

فالدول لا تتقدم بمجرد تغيير المسؤولين، وإنما حين تصبح معايير الاختيار والتقييم والمساءلة أقوى من العلاقات الشخصية، وحين تكون المصلحة العامة مقدمة على الرغبة في البقاء، وحين يتحول إعداد القادة من مبادرة مرتبطة بمرحلة معينة إلى ثقافة راسخة في مؤسسات الدولة.

إن أعظم ما يمكن أن تتركه القيادة الناجحة ليس منصبًا شغلته طويلًا، بل مؤسسة تستطيع أن تنجح بعد رحيلها، وكفاءات وجدت طريقها إلى المسؤولية، وقواعد عادلة تضمن ألا يتقدم الولاء على الكفاءة، وألا يحجب الجمود ضوء المستقبل.

وهنا يصبح السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا جميعًا: إذا كانت الدولة تستعد اليوم لإعداد قادة الغد، فهل تستعد مؤسساتنا بالقدر نفسه لاكتشاف كفاءاتها، وتجديد قياداتها، وضمان أن يكون البقاء في المسؤولية استحقاقًا تؤكده النتائج، لا مجرد امتداد للزمن؟

فالمستقبل لا يُصنع بمن ينتظرون دورهم فحسب، بل بمؤسسات تمنح الفرصة لمن يستحقها، وتُحسن الاختيار، وتؤمن بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن استدامة الدولة تبدأ حين تصبح الكفاءة قاعدة، والتجديد ثقافة، والمسؤولية أمانة.

زر الذهاب إلى الأعلى