
الدكتور ناصر الجندي يروى لنا تفاصيل أسطورة من بلاد الرافدين القديمة ” حين سقط النسر من سماء الآلهة “
حين سقط النسر من سماء الآلهة
أسطورة من بلاد الرافدين القديمة، عن العروش التي تُبنى على الخداع، والنهايات التي لا يملك أصحابها اختيارها.
بقلم الدكتور ناصر الجندي
في زمنٍ سحيق، حين كانت المدن تُشيَّد بالطين المحروق، وكانت أسماء الملوك تُنقش على ألواح الآجر لتبقى بعد رحيل أصحابها، قامت مملكة عظيمة على ضفاف نهرٍ عتيق، تحيط بها الحقول من جهة، وتمتد خلفها الصحارى حتى يبتلع الأفق آخر خيط من الضوء.
وكانت للمملكة أسطورة يؤمن بها أهلها منذ أجيال، تقول إن النسر الذي يحلّق عاليًا فوق أسوار المدينة لا بد أن يكون قد نال سرّ قوته من السماء، وإن من يجلس تحت جناحيه ينعم بالأمان ما دام وفيًّا له.
لكن أحدًا لم يسأل يومًا: ماذا لو كان النسر نفسه يخشى السماء؟
في تلك المملكة، اعتلت الحكم امرأة عُرفت بين الناس بلسانها العذب وثيابها المطرّزة بخيوط الذهب. كانت تظهر في ساحات المدينة وهي تتحدث عن العدل، وتضع يدها على صدرها كلما أقسمت أن مصلحة المملكة فوق كل اعتبار، حتى إن الغرباء الذين يسمعونها كانوا يظنون أنهم أمام امرأة اختارتها الآلهة لتعيد إلى الأرض ميزانها المفقود.
غير أن أبواب القصر كانت تخفي حكاية أخرى.
فما إن تُغلق الأبواب البرونزية حتى يتغير وجه المملكة؛ إذ كانت الحاكمة تستدعي من يُحسنون الثناء عليها، لا من يُحسنون العمل، وتُقرّب من يعرفون كيف يوافقونها، لا من يملكون الشجاعة ليقولوا لها إن الطريق الذي تسلكه ينتهي إلى الهاوية.
وكان إلى جوار عرشها رجلٌ يُدعى «صاحب الريشة البيضاء»، لا لعلمٍ امتلكه ولا لإنجازٍ صنعه، بل لأنه كان يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يُلقي بكلمات المديح في اللحظة التي تحتاج فيها الحاكمة إلى سماعها. وكان معه نفرٌ من رجال القصر، يتبادلون المنافع كما يتبادل التجار الأوزان في الأسواق، ويمنح بعضهم بعضًا ألقابًا رفيعة لا تليق إلا بمن حملوا أعباء المملكة على أكتافهم.
أما أصحاب الخبرة، أولئك الذين قضوا أعمارهم في خدمة البلاد، وعرفوا أسرار النهر ومواعيد الفيضان وحسابات الحبوب ومخازن الغلال، فقد صار وجودهم يُقلق الحاكمة؛ لأنهم كانوا يعرفون الفرق بين القرار الصائب والقرار الذي يُتخذ لإرضاء شخص، وبين المصلحة العامة والمنفعة التي تُخفى تحت عباءة المصلحة العامة.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت الرياح تضرب نوافذ القصر، جلست الحاكمة أمام خريطة المملكة، وأخذت تشير إلى أسماء كبار المسؤولين الذين لم يعودوا يروقون لها.
قالت وهي تمرر إصبعها على الأسماء:
«إن الرجل الذي يعرف أكثر مما ينبغي يصبح خطرًا، والمرأة التي ترفض أن تنحني لا تصلح للبقاء قريبة من العرش. أريد حولي من يفهمون إرادتي، لا من يظنون أن لهم إرادة مستقلة».
لم يعترض أحد.
فقد كان الخوف قد علّم رجال القصر أن الحكمة تعني الصمت، وأن النجاة تكمن في تنفيذ الأوامر، حتى لو كان ثمنها ضياع الحق.
وفي الصباح، صدرت الأوامر تباعًا. أُبعد أصحاب الخبرة عن مواقعهم، وانتُزع بعضهم من مجالس القرار بعد سنوات طويلة من الخدمة، ووُضعت مكانهم أسماء لم يعرفها الناس إلا من كثرة ظهورها في مواكب الحاكمة. وأصبح القرب من القصر شهادة كفاءة، وأصبح الولاء الشخصي أثقل وزنًا من سجل الإنجاز، حتى إن أحد الكتبة قال لصديقه وهو ينظر إلى الأسماء الجديدة:
«لقد تبدلت موازين المملكة؛ صار الباب الذي يؤدي إلى العرش أهم من الطريق الذي يؤدي إلى النجاح».
لكن صديقه لم يُجبه، فقد كان يعرف أن الجدران نفسها صارت تنقل الكلام إلى القصر.
ومع مرور الأيام، بدأت المملكة تدفع ثمن ما حدث. تعطلت مشروعات كانت قد قاربت الاكتمال، وضاعت سجلات بين أيدي رجال لا يعرفون قيمتها، وتنازعت الحاشية على الموارد والمناصب، وصار كل واحد منهم يخشى أن يستيقظ فيجد أن زميله قد سبقه إلى منفعة جديدة. أما الحاكمة، فكانت ترى كل ذلك علامة على أنها أحكمت قبضتها على المملكة، إذ لم يعد أحد يجرؤ على مخالفتها.
وكانت كلما سمعت شكوى، سألت عن صاحبها قبل أن تسأل عن حقيقتها، فإذا كان من المقربين قالت إن الأمر يحتاج إلى التروي، وإذا كان من أصحاب الرأي المستقل اتهمته بأنه لا يفهم طبيعة المرحلة.
وهكذا صار الخطأ، كلما تكرر، أكثر جرأة؛ وصار الظلم، كلما طال، أكثر اطمئنانًا إلى نفسه.
وفي الطرف البعيد من المملكة، عند حافة صخرة عالية تطل على وادٍ سحيق، كانت تعيش أفعى عجوز، اشتهرت بين أهل البلاد بأنها لا تهاجم أحدًا ما لم يعتدِ على صغارها، ولا تنسى فضلًا قُدّم إليها، لكنها لا تنحني أمام من يظن أن القوة تمنحه حق ابتلاع الضعفاء.
ذات يوم، جاءها غراب يحمل أخبار القصر، وأخبرها أن النسر الذي يحكم السماء قد أخرج من عشه كل من لا يرضى عنهم، وأنه جمع حوله طيورًا صغيرة تصفق له كلما حرّك جناحيه.
سألته الأفعى:
«وهل أصبحت تلك الطيور أقوى منه؟»
قال الغراب:
«لا، لكنها أقنعته بأنه لا يحتاج إلى غيرها».
ابتسمت الأفعى ابتسامة حزينة، ثم قالت:
«هذه بداية سقوطه؛ فالذي يطرد من حوله من يستطيعون إنقاذه، لا يبقى معه في النهاية إلا من ينتظر سقوطه ليقتسم ما يتبقى».
ولم تكن الأفعى تعرف أن كلماتها ستصل إلى القصر، وأن الحاكمة ستعتبرها تهديدًا لسلطانها.
فما إن بلغها الخبر حتى أمرت بإحضار الأفعى إلى مجلسها. وحين وقفت أمام العرش، قالت لها الحاكمة:
«يقولون إنك تعرفين أسرار المملكة، وإنك تتحدثين عن سقوط النسر. أخبريني، من أعطاك الحق في الحكم على من يحكمون؟»
رفعت الأفعى رأسها وقالت بهدوء:
«لا أحكم عليكِ، أيتها الحاكمة، بل أصف ما أراه. لقد أبعدتِ من كانوا يصححون أخطاءك، وقرّبتِ من يخفونها عنك، فصرتِ تسمعين ما يرضيك بدلًا مما ينفعك. وليس أخطر على الحاكم من أن يصبح محاطًا بمن يخشون خسارة قربه أكثر مما يخشون خسارة المملكة».
اشتعل وجه الحاكمة غضبًا، وأمرت بإخراج الأفعى من المدينة، ومنعت أيًّا من حاشيتها من ذكر اسمها.
لكن الأفعى لم تكن تعلم أن النفي أحيانًا يمنح الحقيقة صوتًا لم تكن تملكه داخل القصور.
وفي تلك السنة، انحسر النهر عن مجراه المعتاد، ثم عاد على غير موعد، فضرب أطراف الحقول وأغرق مخازن الحبوب القريبة من الضفاف. وكانت المملكة قد عرفت مثل هذه التقلبات من قبل، ولهذا ترك الحكماء خرائط دقيقة، وسجلات مفصلة، وخططًا تحفظ الغلال وتمنع الكارثة من التحول إلى مجاعة.
غير أن تلك السجلات كانت قد أُهملت، وبعضها فُقد، وبعضها حُفظ في مخازن لا يعرف المسؤولون الجدد مفاتيحها.
اجتمع رجال القصر، ووقف صاحب الريشة البيضاء أمام الحاكمة قائلًا:
«إن ما حدث أمر لا يمكن توقعه، ولا يتحمل أحد منا مسؤوليته».
سألته الحاكمة:
«ألم تخبرني أن المملكة مستعدة لكل شيء؟»
فأجاب، وقد ارتجف صوته:
«بلى، يا مولاتي، ولكن النهر خالف ما اعتاد عليه الناس».
وكان ذلك أول كذبٍ تسمعه الحاكمة من رجلها المفضل وتدرك أنه كذب، لكنه لم يكن أول كذب يقوله؛ فقد كانت قد اعتادت أن تصدقه ما دام يخدم صورتها عن نفسها.
وفي الأيام التالية، نفدت الحبوب من بعض القرى، وارتفعت الأسعار، وبدأ الناس يسألون عن مصير المخازن التي كانت ممتلئة قبل أشهر. وحين فُتحت الدفاتر القديمة، ظهرت أرقام لا تتفق مع الموجود، وعقود لا تتطابق مع ما نُفذ، وأسماء تكررت في معاملات غامضة، ومنافع انتقلت من يد إلى أخرى دون تفسير واضح.
لم يكن النهر وحده هو الذي كشف الحقيقة؛ فقد كشفتها أيضًا الأخطاء التي تراكمت في الظلام حتى لم يعد أحد قادرًا على إخفائها.
وعندئذ، وصل إلى المدينة رسول يحمل أمرًا من المجلس الأعلى للمملكة، وهو المجلس الذي كانت له سلطة مراجعة أعمال الحكام وعزل من يثبت أنه أساء استخدام سلطته.
نص الأمر على فتح سجلات القصر، والتحقيق في القرارات التي أدت إلى إبعاد أصحاب الخبرة، وفحص الأموال والعقود، وسماع أقوال كل من تضرر من تلك القرارات.
للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن المطلوب من الحاكمة أن تختار من يتحدث، بل أن تسمع ما يقوله الآخرون.
حاولت الحاكمة أن تستدعي حاشيتها، لكنها وجدت أن القصر الذي امتلأ يومًا بالمصفقين صار خاليًا إلا من وقع الأقدام المترددة.
أنكر بعضهم معرفته بالقرارات، وقدم آخرون وثائق تثبت أنهم اعترضوا عليها، بينما سارع صاحب الريشة البيضاء إلى إلقاء المسؤولية على من سبقوه، مدعيًا أنه لم يكن سوى منفذٍ للأوامر.
نظرت إليه الحاكمة طويلًا، ثم قالت:
«ألم تكن أنت من أخبرني أن كل شيء يسير على ما يرام؟»
أطرق رأسه، ولم يجد جوابًا.
عندها فهمت، متأخرة، أنها لم تصنع حاشية تحميها، بل صنعت مجموعة من الأشخاص يتقنون البقاء بالقرب من القوة، أيًّا كان صاحبها.
استمرت التحقيقات أسابيع طويلة، وجُمعت الشهادات، وقورنت السجلات، وكُشفت المخالفات التي أمكن إثباتها، وفُصل بين الأخطاء الإدارية وبين الأفعال التي ثبت أنها استهدفت تحقيق منافع غير مشروعة. وعندما اكتمل الفحص، انعقد مجلس القضاء في ساحة المدينة، بحضور الناس الذين طال انتظارهم لمعرفة ما جرى خلف أبواب القصر.
وقفت الحاكمة أمام المجلس من دون تاجها، ولم تعد الثياب المطرزة قادرة على منحها الهيبة التي اعتادت أن تستمدها من مظاهر السلطة.
تُليت القرارات التي ثبتت مسؤوليتها عنها، وعُرضت الأدلة، ومُكّن المتهمون من الدفاع عن أنفسهم، ثم صدر الحكم وفق ما أثبتته المحاكمة: العزل من الحكم، والسجن عن الجرائم التي ثبتت إدانتها بها، واسترداد الأموال التي ثبت أنها اكتُسبت بطرق غير مشروعة.
ولم يكن الحكم نهاية القضية؛ فقد خضع شركاؤها للمساءلة كلٌّ بحسب ما ثبت عليه، وأُعيد النظر في القرارات التي أضرت بأصحاب الحق، وبدأت المملكة تستعيد رجالها ونساءها الذين أُبعدوا ظلمًا، بعد مراجعة كفاءاتهم واستحقاقاتهم.
أما صاحب الريشة البيضاء، الذي ظن أن مهارته في التملق ستفتح له أبواب النجاة، فقد وجد نفسه أمام الأدلة التي حاول إخفاءها، وانتهى به الأمر إلى تحمل تبعات ما ثبت من أفعاله.
ومع حلول الليل، نُقلت الحاكمة إلى برج حجري قديم عند أطراف المدينة، كان يُستخدم قديمًا لحبس من تصدر بحقهم أحكام بالسجن. لم يكن البرج مزينًا بالذهب، ولم تكن أبوابه تُفتح احترامًا للألقاب، ولم يكن حارسه ينتظر منها إشارة ليؤدي التحية.
ومن نافذتها الضيقة، رأت موكبًا يعبر الساحة، وفي مقدمته أشخاص عادوا إلى مواقعهم بعد أن رُوجعت قرارات إبعادهم، وخلفهم رجال ونساء يحملون سجلات جديدة، ويعيدون تنظيم مخازن الحبوب وإصلاح ما أفسدته السنوات.
وفي أعلى سور المدينة، ظهر نسر أسود كان قد اعتاد أن يحط على شرفة القصر، ثم حاول أن يطير نحو السماء التي طالما ظن أنها ملكه. غير أن جناحيه لم يسعفاه في مواجهة عاصفة هبت فجأة، فارتطم بالصخور وسقط في الوادي، حيث اختفى بين الأحجار التي لا تحفظ أسماء الساقطين.
كان ذلك مشهدًا من مشاهد الطبيعة، لكن أهل المملكة رأوا فيه صورة لما حدث لحاكمتهم: لم تسقط لأنها افتقرت إلى القوة، بل لأنها ظنت أن القوة لا تحتاج إلى حكمة، وأن السلطة لا تحتاج إلى عدل، وأن من يصفقون لها اليوم سيقفون معها حين يأتي الحساب.
وفي الصباح التالي، أزال البناؤون شعار النسر عن بوابة القصر، ووضعوا مكانه ميزانًا من البرونز، كُتبت تحته عبارة قصيرة لم تكن موجهة إلى الحاكمة وحدها، بل إلى كل من سيجلس على العرش بعدها:
«لا يفسد الحكم حين يكثر الأعداء حوله، بل حين يخاف صاحبه من أصحاب الحق، ويطمئن إلى أصحاب المصلحة؛ فالأولون قد يحذرونه من السقوط، أما الآخرون فيتركونه يسقط، ثم يتسابقون إلى إنكار أنهم عرفوه يومًا».
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أهل المملكة يسألون عن ارتفاع النسر في السماء، بل صاروا يسألون عن عدالة الأرض التي يقف عليها.
فقد تعلموا أن العروش قد ترتفع بالمظاهر، وأن المناصب قد تُمنح بالمجاملة، وأن أصحاب المصالح يستطيعون لبعض الوقت أن يحيطوا بالظلم ويحرسوه، لكن لا تاج يستطيع أن يحوّل الباطل إلى حق، ولا حاشية تستطيع أن تمنع الحقيقة من الوصول إلى باب القضاء.
أما النسر، فقد بقي اسمه في حكايات الجدات، لا بوصفه ملك السماء، بل بوصفه المخلوق الذي ظن أن التحليق يعفيه من قوانين السقوط.