الدكتور ناصر الجندي يروى لنا أسطورة وادي الجنّ: “حين ارتدى إبليس عباءة الفضيلة”

أسطورة وادي الجنّ: حين ارتدى إبليس عباءة الفضيلة
حكاية من عالم الجنّ، حيث لا تكمن أخطر الشرور في وجهٍ قبيح، بل في وجهٍ يبتسم للخير حتى يفتح له أبواب المملكة.
بقلم الدكتور ناصر الجندي

في زمنٍ أقدم من ذاكرة البشر، حين كانت الجبال تتحرك في جوف الليل، وكانت الأنهار تجري أحيانًا إلى منابعها، قامت في أقصى الجهات مملكة خفية تُسمّى مملكة الرماد الأزرق، يسكنها الجنّ، وتحكمها قوانين وضعتها ملوك تعاقبوا على عرشٍ من حجر النيازك، وكانت المملكة مقسّمة بين سبع قبائل، لكل قبيلة سرّ من أسرار الطبيعة، فمنهم من يملك مفاتيح الرياح، ومنهم من يعرف لغة النار، ومنهم من يستطيع أن يسمع همس المعادن في باطن الأرض.

ولم تكن المملكة جنةً خالصة، لكنها عرفت زمنًا من التوازن، لأن مجلسها الأعلى كان يضمّ أصحاب الحكمة والقوة، وكان الحاكم لا يستطيع أن يغيّر مصير قبيلة أو ينزع مكانة أحد شيوخها إلا بعد أن تُعرض الأسباب أمام ميزان العهد القديم، وهو ميزان سحري لا يقيس الذهب ولا القوة، وإنما يكشف المسافة بين ما تقوله الألسنة وما تخفيه القلوب.

غير أن ذلك التوازن بدأ يتصدّع عندما ظهر بينهم جنّي غريب يُدعى سِراج المرايا.

لم يدخل سراج المملكة على هيئة وحشٍ ذي قرون، ولم يأتِ محمولًا على سحابة سوداء، ولم يهدد أحدًا بالسيف أو بالنار، بل ظهر في ليلة ساكنة، مرتديًا ثوبًا أبيض ناصعًا، تتدلّى من عنقه قلادة فضية، ويحمل في يده مصباحًا لا ينطفئ، ويُقال إنه كان كلما دخل مكانًا خفتت الأصوات من حوله، لا خوفًا منه، بل إعجابًا بقدرته على اختيار الكلمات التي يريد الآخرون سماعها.

كان يتحدث عن النزاهة، ويقسم بحماية الضعفاء، ويعلن أن زمن الفوضى قد انتهى، وأنه جاء ليطهّر المملكة من أصحاب المصالح، ويعيد الحقوق إلى أهلها، ويمنح كل جنّي مكانته بحسب قدرته لا بحسب نسبه أو قربه من العرش.

وكانت كلماته جميلة حتى إن بعض الحكماء الذين أمضوا قرونًا في دراسة طبائع الجنّ قالوا إن المملكة لم تعرف منذ تأسيسها صوتًا يشبه صوته في صفاء الدعوة ونقاء العبارة.
لكن أحدًا لم يسأل سؤالًا واحدًا: لماذا يحتاج من يحمل الفضيلة في قلبه إلى أن يعلن عنها في كل مجلس؟

الفصل الأول: المصباح الذي لا يكشف صاحبه
اقترب سراج من ملك المملكة، وكان يومئذٍ جنّيًا مسنًا يُدعى «أزرم»، أثقلته الحروب القديمة وأرهقته الخصومات بين القبائل، فعرض عليه أن يساعده في استعادة هيبة العرش، وأن يتولى تنظيم شؤون المملكة حتى يتفرغ الملك لإخماد النزاعات.
لم يطلب سراج تاجًا، ولم يشترط لنفسه لقبًا، بل قال بصوت خفيض:
«يا مولاي، لا أريد من الدنيا إلا أن أكون يدك التي لا ترتعش حين يتردد الآخرون، وعينك التي ترى ما يعجز عن رؤيته المقربون».

أعجب الملك بالعبارة، ومنحه خاتم التفويض، ولم يكن يدرك أن الخاتم الذي وضعه في يد سراج لم يكن مجرد علامة على الثقة، بل كان مفتاحًا يتيح لحامله أن يفتح أبواب القصر التي لم تُفتح منذ مئات السنين.
بدأ سراج عمله بإصدار قرارات صغيرة، بدت كلها معقولة؛ أعاد النظر في بعض المناصب، وغيّر حراس بعض البوابات، وطلب مراجعة سجلات الخزائن، وأعلن أن كل من يتولى مسؤولية يجب أن يثبت استحقاقه لها.

ولم يعترض أحد، فالعدل لا يُخشى حين يكون حقيقيًا.
لكن الأمر الغريب أن المراجعة كانت تسير في اتجاه واحد؛ كل من اختلف مع سراج صار موضع اشتباه، وكل من سأل عن أسباب قراراته وُصف بأنه لا يتقبل الإصلاح، وكل من امتلك خبرة تكشف أخطاءه نُقل بعيدًا عن مواضع القرار، بينما أخذت أبواب القصر تُفتح لأشخاص لم يعرفهم أحد قبل ظهوره، لكنهم كانوا يحفظون عباراته ويرددونها في كل مجلس.

كان سراج يختار رجاله بعناية؛ لم يكن يبحث عن الأقوى، ولا عن الأعلم، ولا حتى عن الأكثر إخلاصًا للمملكة، بل عن أولئك الذين يعرفون كيف يبتسمون حين يغضب، وكيف يصمتون حين ينبغي الكلام، وكيف يرفعون راية النزاهة بأيدٍ لا تسأل عمّا تخفيه الأيدي الأخرى.

وهكذا نشأت حوله دائرة من الجنّ، أطلقوا على أنفسهم اسم حرّاس النور، وارتدوا ثيابًا بيضاء تشبه ثوبه، وحملوا مصابيح صغيرة، وصاروا يطوفون الأسواق والقصور معلنين أنهم جاءوا ليحاربوا الظلام.
غير أن الظلام لم ينحسر؛ لقد تعلّم فقط كيف يرتدي الأبيض.

الفصل الثاني: محكمة الفضيلة”
بعد عام واحد، دعا سراج إلى إنشاء محكمة جديدة سمّاها «محكمة الضمائر»، وقال إنها ستضع حدًا للفساد والخيانة والغرور، وستحاسب كل من أساء استخدام سلطته، مهما علا شأنه.

صفّق الجنّ في الساحة الكبرى، وامتلأت النوافذ بالوجوه المتفائلة، حتى إن بعض الشيوخ الذين شككوا في نواياه شعروا بالخجل من شكوكهم.

وفي أول جلسة، وقف أمام المحكمة جنّي حكيم يُدعى «هَدّار»، كان قد خدم المملكة قرونًا، وعُرف بأنه لا يوقّع قرارًا قبل أن يقرأه، ولا يمنح ثقة قبل أن يختبرها، ولا يغيّر موقفه خوفًا من غضب صاحب سلطان.

كانت تهمته أنه «يعطّل مسيرة الإصلاح بكثرة الاعتراض».
لم يُتهم بسرقة خزائن، ولا بإيذاء قبيلة، ولا بخيانة عهد، وإنما قيل إنه يثير الشكوك حول قرارات حرّاس النور، وإن أسئلته تزرع الاضطراب في نفوس الجنّ.

وقف هدّار أمام القضاة وقال:
«إذا كان السؤال جريمة، فكيف تعرفون أن الجواب صحيح؟ وإذا كان الاعتراض خيانة، فمن الذي سيوقف الحاكم حين يخطئ؟».
ساد الصمت، لكن سراج ابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال:
«نحن لا نعاقب الحكمة، يا هدّار، بل نعاقب من يستخدمها ليمنع الخير».

وبهذه الجملة، حُكم على هدّار بالنفي إلى كهوف الملح، وصدر القرار في اليوم نفسه، وتصدّر خبر محاكمته جدران المملكة بوصفه انتصارًا جديدًا للفضيلة.
ثم توالت المحاكمات.
أُبعد حارس قديم لأنه رفض تسليم مفاتيح الخزانة إلى أحد رجال سراج دون جردٍ مكتوب، ونُفيت ساحرة بارعة لأنها كشفت خطأً في حسابات القصر، وأُسكت شيخ من شيوخ الرياح لأنه حذّر من أن القرارات الجديدة تُضعف قدرة المملكة على حماية حدودها.
أما من وافقوا على كل شيء، فقد مُنحوا أوسمة النزاهة، حتى صار الوسام يُمنح لمن يكرر الكلمات الصحيحة، لا لمن يفعل الأفعال الصحيحة.
ومع مرور الأيام، لم يعد أحد يسأل: هل هذا القرار عادل؟
صار السؤال الوحيد: هل سيغضب سراج إذا اعترضنا؟

الفصل الثالث: الشيطان الذي لا يظهر في المرايا
في تلك المملكة سرّ قديم لم يكن يعرفه إلا عدد قليل من حراس العهود؛ فكل مخلوقٍ يقترب من عرش الرماد الأزرق تظهر صورته في مرآة موضوعة خلفه، إلا مخلوقًا واحدًا تستطيع المرآة أن تخطئ في وصفه إذا صدّق الناظر كلامه أكثر مما يرى أفعاله.

وكان ذلك المخلوق هو «إبليس المقلّد»، أحد أقدم شياطين الفتنة، الذي لم تكن قوته في إشعال الحروب أو إغواء الضعفاء بالشهوات، وإنما في قدرته على إقناع أصحاب النيات الطيبة بأنهم يفعلون الخير، حتى وهم يفتحون أبواب الشر بأيديهم.

وقد اختار هذه المرة هيئة سراج المرايا، لا لأنه أقوى من غيره، بل لأنه أدرك أن الممالك التي تخاف السيف تستطيع أن تواجهه بالسيف، أما الممالك التي تثق في الفضيلة المعلنة، فقد تسلّم مفاتيحها لمن يتقن تمثيلها.

كان إبليس يعرف أن الشر إذا جاء عاريًا نفر الناس منه، لكنه إذا جاء في ثوب المصلح، وتحدث بلسان الحكيم، وحمل في يده سجلًا مكتوبًا عليه «العدل»، فقد يجد من يدافع عنه قبل أن يطلب منه الدفاع.
ولهذا لم يكن يكذب في كل شيء؛ كان يقول نصف الحقيقة، ثم يدفن النصف الآخر تحت أكوام من الشعارات.

كان يتحدث عن النزاهة، لكنه يخفي حسابات الخزائن.
وكان يرفع شعار الكفاءة، لكنه يختار من لا ينافسه.
وكان يعد بالمحاسبة، لكنه يمنح رجاله حصانة من السؤال.

وكان يتحدث عن وحدة المملكة، بينما يزرع الخوف بين قبائلها حتى لا تجد وقتًا لتتساءل عمّن يستفيد من انقسامها.

ومع ذلك، لم يكن أحد يستطيع أن يمسك عليه شيئًا واضحًا، لأن كل قرار مشبوه كان يمر عبر لجنة، وكل ظلم كان يُغلّف بتقرير، وكل إبعاد كان يحمل عنوانًا جميلًا، وكل امتياز كان يُسمّى ضرورة، حتى أصبح الباطل في المملكة يرتدي ملابس قانونية لا تكشف حقيقته إلا لمن يقرأ ما بين السطور.

IMG 20261015 WA0140الفصل الرابع: حين تكلمت الأحجار
في ليلة من ليالي الشتاء الأسود، ضربت المملكة عاصفة لم تعرف مثلها منذ تأسيسها، فاهتزت القلاع، وانطفأت المصابيح البيضاء، وسقطت من السماء أحجار زرقاء كانت تُستخدم في حماية الحدود.

وفي الصباح، اكتشف الجنّ أن الأبواب الشرقية أصبحت مكشوفة، وأن مخازن الطاقة قد نقصت، وأن الحراس الذين يعرفون أسرار الجبال لم يعودوا في مواقعهم، وأن الذين تولوا مكانهم لم يستطيعوا التمييز بين صوت الريح وصوت الخطر.

أسرع سراج إلى الساحة الكبرى، ووقف أمام الحشود بثوبه الأبيض، وقال إن ما حدث مؤامرة من أعداء المملكة، وإنه سيحتاج إلى صلاحيات أوسع لمواجهة الخطر.

لكن هذه المرة لم تصفق الحشود.
فقد خرجت من بين الناس جنّية مسنّة تُدعى «مِرزام»، كانت تعمل في حفظ سجلات العهود، ولم تكن صاحبة منصب أو جيش، بل كانت تعرف كيف تحفظ الكلمات كما قيلت، والقرارات كما صدرت، والأسماء كما كُتبت.
رفعت سجلًا قديمًا وقالت:
«لقد قرأنا خطبك يا سراج، لكننا لم نقرأ حساباتك. وسمعنا وعودك، لكننا لم نرَ نتائجها. وأنت الذي أبعدت الحراس بحجة أنهم لا يستحقون مواقعهم، فمن الذي ترك الحدود بلا حماية؟ وأنت الذي اتهمت الحكماء بتعطيل الإصلاح، فمن الذي عطّل المملكة حتى صارت عاجزة عن حماية نفسها؟».
حاول حرّاس النور إسكاتها، لكن أصواتًا أخرى ارتفعت من الحشود؛ ظهر أحد الحراس المنفيين، ثم تاجر من سوق المعادن، ثم ساحر من قبيلة الرياح، وكل واحد منهم يحمل وثيقة أو شاهدًا أو حقيقة حاولت السلطة دفنها.

لم يكن ما كشفوه حكاية عن شخص شرير فحسب، بل عن مملكة ساعدت الشر على النمو؛ فهناك من صمت طمعًا في الأمان، ومن صفّق خوفًا من الإبعاد، ومن تملّق ليحتفظ بمكانه، ومن ظن أن قربه من صاحب السلطة سيحميه من عواقب الظلم.

وحين تكاثرت الشهادات، بدأ المصباح الذي يحمله سراج يرتجف.
لأول مرة، لم يستطع الضوء أن يثبت في مكانه.

الفصل الخامس: سقوط العباءة البيضاء
أمر سراج بإحضار مرآة العهد، وهي مرآة لا تستجيب للخطب ولا للألقاب، ولا تنخدع بالثياب أو الأوسمة، بل لا تُظهر الصورة الحقيقية إلا حين يقف صاحبها أمامها ويُطلب منه أن يجيب عن سؤال واحد: ماذا فعلت حين امتلكت القدرة على فعل ما تشاء؟

وقف سراج أمام المرآة، وحاول أن يبدأ بخطبة عن التضحية والإصلاح، لكن المرآة لم تُظهر وجهه.
قال إنه خدم المملكة، فبقي سطحها مظلمًا.
وقال إنه حارب الفساد، فظهر على سطحها سجل الخزائن الناقصة.
وقال إنه حمى الضعفاء، فظهرت وجوه الذين نفاهم.

وقال إنه اختار الأكفاء، فظهرت أسماء الذين أبعدهم لأنهم لم يصفقوا له.
ثم حاول أن يخلع القلادة الفضية، وأن يتخلص من ثوبه الأبيض، لكن العباءة التصقت بجسده، وبدأت خيوطها تتفكك، لا لتكشف جسدًا مخيفًا كما توقع الجميع، بل لتكشف عشرات الأقنعة الصغيرة، كل قناع يحمل وجهًا مختلفًا من الوجوه التي استخدمها في خداع الناس.
عندها انشق الصمت عن صوت عميق خرج من المرآة:
«أنت لم تخدع المملكة لأنك أخفيت الشر، بل لأنك جعلت الناس يخجلون من الشك فيمن يتحدث عن الخير».
وفي لحظة واحدة، ظهر وجه إبليس المقلّد، أسود كالفحم المتوهج، وعيناه تلمعان كجمرتين في قاع بئر، ولم يعد في مظهره شيء من الوقار الذي صنعه لنفسه.
ضحك ضحكة هزّت القصر، ثم قال:
«ما أسهل أن أحكم مملكة لا تحب الظلم، لكنها لا تتحقق من العدل! وما أسهل أن أُبعد الحكماء إذا أقنعت الناس بأن السؤال إساءة، وما أسهل أن أرفع أتباعي إذا جعلت الولاء دليلًا على الفضيلة! لقد منحتموني سلطاني بأيديكم، ثم تركتموني أرتدي ثيابكم النظيفة».
لم يرد عليه أحد.
لأن الحقيقة كانت أقسى من أن تُدفع بالكلمات.

الفصل السادس: محاكمة الظل
لم تسقط مملكة الرماد الأزرق في تلك الليلة، ولم تشتعل قصورها، ولم تتحول أنهارها إلى نار، بل حدث أمر أشد صعوبة من كل ذلك؛ بدأت المملكة تستعيد قدرتها على الاعتراف بأخطائها.

جُمّد خاتم التفويض، وأُعيدت السجلات إلى أصحاب الاختصاص، وشُكّلت محكمة مستقلة لمراجعة القرارات التي اتخذها سراج ورجاله، واستُدعي كل من شارك في تزوير الوقائع أو إخفاء الأدلة أو استخدام السلطة للانتقام من المعترضين.

ولم يُعاقب أحد لمجرد أنه كان قريبًا من سراج، كما لم يُعفَ أحد لمجرد أنه كان يرفع شعارات النزاهة؛ فقد صار السؤال عن الأفعال والأدلة، لا عن الأسماء والولاءات.

أُعيد المنفيون إلى ديارهم بعد مراجعة أحكامهم، ورُدّت المناصب إلى أصحابها المستحقين حيث أثبتت المراجعة أحقيتهم، وعوقب من ثبت تورطه في الاعتداء على حقوق الآخرين، مهما كانت الأوسمة التي علّقها على صدره.
أما إبليس المقلّد، فقد حُبس في قاع بئر المرايا، لا في قفص من الحديد، بل داخل دائرة من الأسئلة التي لا يستطيع الهرب منها؛ فكلما حاول أن يمدح نفسه، ظهرت أمامه نتيجة فعلٍ من أفعاله، وكلما ادّعى الفضيلة، واجهته صورة من ظلمهم.

وكان حكم مجلس العهد أن يبقى هناك حتى تنتهي محاكمته وفق قوانين المملكة، وألا تُمحى جرائمه لمجرد أنه أحسن الحديث عن الخير، وألا يُمنح أحد سلطة مطلقة بحجة أن قلبه نقي أو أن رسالته نبيلة.
وقبل أن يُغلق باب البئر، التفت إبليس إلى الحراس وقال:
«ستظنون أنكم انتصرتم، لكنني سأعود يومًا، حين تنسون ما حدث، وحين يصبح الثوب الأبيض دليلًا كافيًا على نقاء صاحبه، وحين تخافون من سؤال من يملك السلطة أكثر مما تخافون من خطئه».
أُغلق الباب، لكن كلماته بقيت تتردد في أروقة المملكة.

“الشيطان لا يخشى أن نكره الشر”
بعد أعوام، استقرت مملكة الرماد الأزرق، وأصبحت مرآة العهد تُعرض في الساحة الكبرى، لا لتخيف الحكام، بل لتذكّرهم بأن السلطة امتحان لا شهادة استحقاق أبدية.
وعلى قاعدة المرآة نُقشت عبارة من كلمات الجنّية مرزام: «لا تصدّق من يقول إنه يحارب الفساد قبل أن ترى كيف يتعامل مع من يختلف معه، ولا تأمن لمن يتحدث عن الفضيلة قبل أن تعرف ماذا يفعل حين لا يراه أحد».
ومنذ ذلك اليوم، صار الحكماء يعلمون صغار الجنّ أن الشيطان ليس مضطرًا إلى أن يطلب منك ارتكاب الشر؛ يكفيه أحيانًا أن يقنعك بأنك وحدك صاحب الخير، وأن كل من يعارضك عدو، وأن كل من يصفق لك يستحق القرب، وأن كل من يكشف خطأك يستحق الإبعاد.

فإذا تحوّل المديح إلى معيار للكفاءة، والصمت إلى دليل على الولاء، والاعتراض إلى تهمة، لم يعد الشر بحاجة إلى اقتحام القصر؛ لقد أصبح صاحب القصر، وأصبح حراسه يحمونه باسم الفضيلة.
“وهكذا بقيت الأسطورة تحذّر الأجيال: أخطر الشياطين ليس من يأتيك بوجه الشر، بل من يجعلك تدافع عن شرّه وأنت تظن أنك تحمي الخير.”

زر الذهاب إلى الأعلى