الدكتور ناصر الجندي يروى لنا “أسطورة زقورة الظلال حكاية نبو-إيل وأسرار مملكة أوروك”

أسطورة زقورة الظلال حكاية نبو-إيل وأسرار مملكة أوروك

بقلم الدكتور ناصر الجندي

في الأزمنة التي كان فيها دجلة والفرات يشقان طريقهما بين سهول الطين والقصب، وحين كانت الزقورات ترتفع نحو السماء كأنها سلالم إلى عالم الآلهة، قامت مملكة عظيمة تُدعى أوروك الكبرى. امتدت أسوارها على ضفاف الأنهار، وأحاطت بها بساتين النخيل وحقول الشعير، وازدانت معابدها بالنقوش والألواح المسمارية.

في تلك المملكة عاش رجل يُدعى *نبو-إيل،* نشأ في بيت متواضع على ضفاف نهر صغير، ولم يرث مالًا أو جاهًا، بل شق طريقه بالعلم والعمل والصبر.

بدأ حياته ناسخًا للألواح في دار الحكمة، حيث كان الصبية يتعلمون الكتابة والحساب ورصد النجوم. تميز بدقته وحسن تدبيره، فلم يكتفِ بإتقان ما بين يديه، بل كان يبحث عن مواضع الخلل ويعمل على إصلاحها.

ومع مرور السنين، تنقل بين مدن المملكة، وتولى رعاية دور الحكمة وتنظيم القوافل وإصلاح ما اضطرب من شؤون الأقاليم. حتى ذاع صيته، وصار أهل البلاد يستعينون به كلما استعصى أمر أو اختل ميزان.

وحين خلا مقعد كبير أمناء حدائق القصر، تنافس عليه رجال من بيوت عريقة، لكن مجلس الألواح اختار نبو-إيل بعد امتحان طويل، تقديرًا لخبرته وكفاءته.

دخل الرجل القصر معتقدًا أن العمل المتقن يظل أقوى الحجج، وأن رعاية البساتين أمانة لا زينة يتباهى بها أصحاب المناصب.

غير أنه لم يكن يعرف أن للقصور قوانين أخرى لا تُكتب على ألواح الطين.

المرأة القادمة من وراء البحر

في السنة التي انحسر فيها النهر عن بعض ضفافه، وصلت إلى أوروك امرأة تُدعى *إينانا-شِمتو،* قادمة من مملكة بعيدة وراء البحر الغربي، حيث تمتد الرمال الحمراء حتى تخالط الأفق.

كانت هادئة الخطوات، قليلة الكلام، ترتدي ثوبًا بسيطًا وتُظهر من التواضع ما جعل كثيرين يظنون أنها بعيدة عن الطموح إلى السلطان.

إذا جلست إلى الحكماء، أصغت إليهم في أدب، وإذا تحدثت عن العدل، انتقت كلماتها بعناية. لم تكن تطلب الأضواء، لكنها كانت تعرف كيف تقترب ممن يملكون مفاتيحها.

تدرجت في أروقة الحكم، وجمعت حولها أصحاب المصالح، حتى جاء يوم غاب فيه صاحب المقعد الأعلى عن المشهد، وانتهى الأمر بجلوسها على كرسي القيادة.

لم تتغير ملامحها كثيرًا، لكن موقعها الجديد غيّر موازين القصر.

فمنذ ذلك اليوم، أصبحت الكلمة الأخيرة لها في شؤون حدائق المملكة ودور الحكمة ومخازنها، وصار القرب منها طريقًا يسعى إليه كثيرون.

وعد في قاعة الأعمدة السبعة

كان نبو-إيل يعرف حدائق القصر شجرةً شجرة، ويدرك مواضع السواقي التي تحتاج إلى إصلاح، ويعرف كيف يحمي الأشجار من الجفاف قبل أن تظهر علامات الذبول على أوراقها.

وفي صباح من أيام الربيع، استدعته إينانا-شِمتو إلى قاعة الأعمدة السبعة، حيث تزين الجدران نقوش ملوك أوروك القدماء.

رحبت به، وأمرت بتقديم شراب التمر، ثم قالت:

«يا نبو-إيل، لقد بلغت أخبارك مجلس الحكم الأعلى، ويرى سادة الألواح أن تبقى قريبًا من القصر مدةً أخرى، لننتفع بخبرتك في الأيام المقبلة».

أجابها الرجل بهدوء:

«إن كانت في خبرتي منفعة للمملكة، فأنا حيث تكون حاجتها إليّ».

ابتسمت، ثم أشارت إلى أحد الخدم أن يصرفه.

غادر نبو-إيل القاعة مطمئنًا، وظن أن الحديث يمهد لمهمة جديدة. لم يخطر بباله أن الاستدعاء كان خطوة في تدبير يراد به إبعاده عن موضعه، من غير أن يبدو القرار مفاجئًا أو يثير تساؤلات أهل المملكة.

ألواح لا تُكتب في وضح النهار

في الجناح الشرقي من القصر، كان يعمل رجل يُدعى *آشور-زِير،* حافظ الأختام وكاتب الأحكام، عُرف بقدرته على تأويل الكلمات واستخراج المعاني التي تخدم من يجلس أمامه.

وفي الجناح المجاور، كانت *تَليتوم، أمينة الرسائل ومرافقة سيدات القصر، تحفظ أخبار المجالس وتعرف كيف تنتقل الكلمات من فم إلى آخر حتى تبلغ مقصدًا غير الذي قيلت من أجله.

وجد الاثنان في قربهما من إينانا-شِمتو فرصة لتعزيز نفوذهما، وكانا يدركان أن نبو-إيل، الذي صنع مكانته بعمله، لن يكون سهل الانقياد لأساليب التملق والمساومة.

بدأت الحكاية بأحاديث مقتضبة، ثم بتفسيرات انتُزعت من سياقها، حتى وصلت إلى الحاكمة روايات رسمت الرجل في صورة لم يعرفها عن نفسه.

كانت تَليتوم تنقل ما قيل وتحذف ما يوضح معناه، بينما يضع آشور-زِير أمام الحاكمة تأويلات لا تترك مجالًا لغير الشك.

ولم يمضِ وقت طويل حتى تبدلت المعاملة.

صار رأي نبو-إيل يُستقبل بتحفظ، وتحولت ملاحظاته إلى موضع ريبة، وأصبح الصمت الذي اعتاده حين لا يجد ما يضيفه دليلًا يُفسَّر كما يشاء أصحاب التأويل.

حاول أن يفهم سبب هذا التغير، لكنه لم يتلقَّ جوابًا واضحًا. راجع أعماله، فلم يجد عهدًا أخلّ به أو أمانة فرّط فيها.

ولم يكن يعلم أن صورته قد رُسمت في مجالس لم يُدعَ إليها، وأن القرار بشأنه أخذ يتشكل بعيدًا عن عينيه.

الرحيل من البوابة النحاسية

في صباح غائم، استُدعي نبو-إيل إلى مجلس صغير في القصر. كان آشور-زِير واقفًا قرب عمود من الحجر الأسود، بينما جلست تَليتوم إلى طرف المائدة، ترتب ألواحًا مختومة.

أُبلغ الرجل أن عليه مغادرة دار القصر، وأن يُسند إليه عمل في ناحية بعيدة من المملكة.

سأل بهدوء:

«أهناك خطأ ارتكبته؟ أو عهد قصّرت في الوفاء به؟»

تبادلت العيون نظرات سريعة، ثم جاءه جواب مقتضب لم يفسر شيئًا.

أدرك أن القرار قد اتُّخذ قبل حضوره، وأن المجلس لم يُعقد لمناقشة الأمر، بل لإبلاغه به.

جمع ألواحه وأدواته، وغادر من البوابة النحاسية دون ضجيج.

وحين تجاوز الأسوار، التفت لحظة إلى القصر الذي قضى فيه سنوات من عمره. لم يكن يؤلمه فقدان المكان بقدر ما آلمه أن تنتهي تلك السنوات دون تفسير، وكأن ما قدمه لم يكن جديرًا حتى بإجابة صادقة.

ثم مضى في طريقه، محتفظًا بما لا يستطيع القرار انتزاعه منه: علمه وخبرته وكرامته.

حين اختل ميزان البساتين

مرت المواسم، وأخذت أخبار أوروك تصل إلى نبو-إيل في سوق مدينته الجديدة.

تحدث الناس عن سواقٍ تراكم الطين في مجاريها، وأشجار تأخر عنها الماء، ورجال جلسوا في مواضع لم يكن الوصول إليها في الماضي ممكنًا إلا بعد امتحان طويل.

IMG 20261002 WA0209 1

وتردد في المجالس سؤال لم يكن أحد يجرؤ على طرحه بصوت مرتفع:

كيف صار القرب من القصر طريقًا إلى المقاعد العالية، بينما أُبعد من عرفوا الأرض وأتقنوا رعايتها؟

لم يصدق نبو-إيل كل ما سمعه، لكنه عرف أن البساتين لا تذبل فجأة؛ يبدأ الأمر بإهمال صغير، ثم يتراكم الخلل حتى تظهر آثاره في موسم الحصاد.

وكان يخشى أن تتحول الحادثة التي عاشها إلى عادة، يُقصى فيها أصحاب الخبرة كلما تعارضت كفاءتهم مع حسابات النفوذ.

أما هو، فعاد إلى حياة أبسط، يساعد أهل بلدته في تدبير الماء، ويعلّم الصبية الكتابة والحساب، ويقدم مشورته لمن يطلبها.

لم يكن ذلك تعويضًا عن كل ما فقده، لكنه منحه فرصة لمواصلة ما يؤمن به بعيدًا عن صخب القصر.

تحت شجرة التين

في ليلة شتوية، جلس نبو-إيل تحت شجرة تين عتيقة في فناء منزله. كان القمر ينعكس على صفحة النهر، والريح تحرك سعف النخيل.

تذكر رحلته الطويلة، من ألواح دار الحكمة إلى حدائق القصر، ثم عودته إلى حياة لم يكن يتوقع أن يستأنفها بهذه الصورة.

ظل سؤال واحد يؤرقه: كيف أمكن لسنوات من العمل أن تنتهي إلى إبعاد لا يصحبه تفسير؟

رفع رأسه إلى السماء وقال:

«يا رب، أنت تعلم ما غاب عن الناس، وما كُتب في الألواح بعيدًا عن عيني. فإن كان لي حق ضاع، فأنت أعلم به، وإن أخطأت دون أن أدري، فاهدني إلى معرفته».

ثم سكت، وأردف:

«لا تجعل ما حدث يفسد قلبي، ولا تجعلني أندم على خير فعلته. سأترك لك ما عجزت عن فهمه، وأمضي في الطريق الذي أعرفه».

شعر بعدها أن صدره قد اتسع قليلًا. لم يتبدد الحزن كله، لكنه لم يعد أسير انتظار اعتذار من القصر، ولا خبر عن مصير من تسببوا في رحيله.

ما تحفظه الأيام

ظل قصر أوروك قائمًا فوق تلته، تتلألأ جدرانه في ضوء الشمس، وتُفتح أبوابه للوفود القادمة من الأقاليم البعيدة.

أما إينانا-شِمتو، فواصلت إدارة شؤون المملكة، وبقي آشور-زِير وتَليتوم قريبين من دوائر النفوذ.

ولم يكن نبو-إيل يعرف كيف ستنتهي الحكاية، ولا متى ستنكشف حقيقة ما جرى. لكنه أدرك أن الأختام تثبت القرارات على ألواح الطين، ولا تثبت أنها عادلة، وأن بريق القصر لا يكفي وحده ليشهد لأصحابه بحسن التدبير.

ومضت حياته بعيدًا عن الأسوار، يعلّم الصبية أسرار الكتابة، ويساعد أهل بلدته على إصلاح السواقي، ويغرس الأشجار في أرض جافة، مؤمنًا أن أثر الإنسان لا ينتهي بانتهاء سلطانه.

وفي أوروك، كانت البساتين تواصل اختبار من يتولون أمرها؛ فإما أن تزدهر بحسن الرعاية، وإما أن تكشف أوراقها الذابلة ما عجزت الألسنة عن قوله.

وكان حكماء الرافدين يروون أن النهر يحفظ أسرار المدن، وأن الطين يتذكر آثار الأقدام، ولو غمرته المياه.

أما نبو-إيل، فقد اختار أن يترك للحقيقة وقتها، وللأقدار مسارها، ولرب العالمين حكمه.

فقد يُنتزع من الإنسان مقعده، لكن لا يُنتزع منه ما بناه في نفسه؛ وقد يتأخر ظهور الحق، لكن تأخره لا يجعل الباطل حقًا.

وهكذا بقيت حكاية نبو-إيل تُروى في بلاد ما وراء النهرين، لا بوصفها قصة رجل ينتظر سقوط خصومه، بل حكاية إنسان خرج من القصر ولم يخرج من مبادئه.

وكان آخر ما يقوله رواة الأساطير:

«لا يُعرف قدر حارس البستان من خاتمه، بل من الثمار التي يتركها وراءه؛ ولا يُعرف قدر صاحب العرش من علو مجلسه، بل من حال الأرض التي اؤتمن عليها».

زر الذهاب إلى الأعلى