
الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب ” ٧٥ عامًا من الإشارة… و ٢٠ عامًا من الحقوق”
٧٥ عامًا من الإشارة… و ٢٠ عامًا من الحقوق
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
في عام 2026، تتزامن مناسبتان تستحقان أكثر من احتفال عابر: مرور 75 عامًا على تأسيس الاتحاد العالمي للصم، و20 عامًا على اعتماد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. وبين الذكريين مسيرة طويلة انتقل فيها العالم، ولو تدريجيًا، من النظر إلى الصمم باعتباره قضية رعاية إلى الاعتراف به في إطار أوسع: اللغة، والهوية، والحقوق، والمشاركة.
لكن بعد 75 عامًا، وبعد عقدين من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يظل السؤال الأهم: هل تغيرت حياة الأشخاص الصم بالقدر الذي تغيرت به لغة الخطاب عنهم؟
لقد قطعت البشرية شوطًا مهمًا في الاعتراف بلغات الإشارة. فهي ليست مجرد إشارات تساعد على التخاطب، بل لغات طبيعية مكتملة لها قواعدها وبنيتها وهويتها الثقافية، كما أن العالم لا يعرف «لغة إشارة» واحدة، وإنما لغات إشارة متعددة ترتبط بمجتمعاتها وثقافاتها. وتؤكد الأمم المتحدة أهمية الوصول إلى لغات الإشارة، ولا سيما في التعليم، باعتباره جزءًا أساسيًا من حقوق الأشخاص الصم.
وهنا تكمن إحدى القضايا التي تستحق التوقف: هل نحتفي بلغة الإشارة باعتبارها فقرة توعوية في مناسبة سنوية، أم نتعامل معها باعتبارها حقًا لغويًا وتعليميًا؟
الفارق ليس بسيطًا.
فأن يتعلم الطالب بعض الإشارات في نشاط مدرسي أمر جميل، لكن الشمول الحقيقي يبدأ عندما يستطيع الطالب الأصم أن يفهم الدرس، ويطرح السؤال، ويتلقى المعلومة، ويشارك في النشاط، ويتواصل مع معلمه وزملائه، ويصل إلى الخدمات والمعلومات دون أن تتحول الإعاقة السمعية إلى حاجز إضافي صنعه النظام التعليمي.
الدمج ليس مجرد وجود الطالب داخل المدرسة؛ بل قدرته على أن يكون حاضرًا فيها حضورًا كاملًا.
ومن هنا تأتي أهمية الذكرى العشرين لاتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. فالتحول الحقيقي الذي كرست الاتفاقية هو الانتقال من منطق «المساعدة» إلى منطق الحق والمساواة والمشاركة وإزالة الحواجز.
ولهذا فإن الحديث عن الأشخاص الصم ينبغي ألا يظل حديثًا عنهم فقط، بل يجب أن يكون حديثًا معهم. فالمبدأ الذي اكتسب حضورًا واسعًا في حركة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ــ «لا شيء عنا من دوننا» ــ ليس شعارًا احتفاليًا، بل قاعدة تقتضي إشراك أصحاب الشأن في تصميم السياسات والبرامج التي تخص حياتهم وتعليمهم.
كما أن التعامل مع «الصم وضعاف السمع» باعتبارهم فئة متجانسة يحتاج إلى قدر من الدقة؛ فاحتياجات الأفراد وطرق التواصل التي يفضلونها وخبراتهم اللغوية والتعليمية ليست واحدة. ولذلك فإن التعليم الشامل لا يعني تقديم حل واحد للجميع، وإنما إزالة الحواجز وتوفير ما يحتاجه كل طالب كي يتعلم ويشارك على قدم المساواة.
ولعلنا بحاجة أيضًا إلى مراجعة بعض العبارات الجميلة التي نستخدمها بحسن نية. فالتعبير عن التواصل بلغة الإشارة باعتباره «سمعًا بالأيدي» قد يكون مجازيًا، لكنه يوحي أحيانًا بأن لغة الإشارة مجرد بديل عن السمع. والأدق أن ننظر إليها كما هي: لغة قائمة بذاتها، وليست نسخة ناقصة من لغة منطوقة.
بعد 75 عامًا من تأسيس الحركة العالمية للصم، وبعد 20 عامًا من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لم يعد التحدي في إنتاج مزيد من الشعارات.
التحدي هو أن ننتقل من الاحتفال بالحقوق إلى ممارسة الحقوق؛ ومن نشر الوعي إلى بناء بيئة تعليمية قابلة للوصول؛ ومن الحديث عن الدمج إلى قياسه بما يستطيع الطالب فعله فعلًا داخل المدرسة.
فالحق لا يصبح أكثر حقيقة لأنه ورد في منشور، والدمج لا يتحقق بمجرد رفع شعار، واللغة لا تُحترم بمجرد الاحتفاء بها في يوم عالمي.
الاحتفال الحقيقي هو أن تصبح لغة الإشارة جزءًا طبيعيًا من الحياة، وأن يصبح الوصول إلى التعليم والمعلومة والمشاركة أمرًا بديهيًا، وأن يكون الأشخاص الصم شركاء في صياغة ما يخصهم، لا مجرد موضوع نتحدث عنه.
وفي الذكرى الخامسة والسبعين، ربما تكون الرسالة الأجمل هي الأبسط:
لا نحتاج إلى أن نتحدث عن الصم أكثر؛ نحتاج إلى أن نمنحهم مساحة أكبر ليتحدثوا بلغتهم، وأن نصغي إليهم فعلًا.