الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يعلنها “قبل أن يصل الخبر”

قبل أن يصل الخبر

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

تخيّل أن يحدث شيء مهم داخل مؤسسة صباحًا.

إنجاز يستحق أن يعرفه الناس. زيارة ميدانية، قرار جديد، مبادرة بدأت، أو قصة نجاح خرجت من داخل المؤسسة إلى الواقع.

تُلتقط الصور، تُجمع المعلومات، ويجلس المسؤول عن الإعلام ليكتب الخبر.

المادة جاهزة تقريبًا.

ثم تأتي الجملة التي تبدو عادية، لكنها أحيانًا تختصر مشكلة كاملة:

«أرسلها للمراجعة.»

تذهب المادة إلى شخص، ثم إلى آخر، ثم تعود بملاحظة.

تُعدَّل جملة، تُحذف صورة، تُضاف عبارة، تتغير كلمة، ثم تعود المادة إلى دورة جديدة من المراجعة.

يمر الوقت.

ينتهي اليوم.

وفي صباح اليوم التالي، يصل الخبر أخيرًا إلى الناس.

لكن المفارقة أن الناس لم يعودوا ينتظرونه.

لقد عرفوا ما حدث من مكان آخر.

وهنا لا يصبح السؤال: لماذا تأخر الخبر؟

السؤال الأكثر قسوة هو:

ماذا تبقى من إعلام لا يصل إلا بعد أن تنتهي الحاجة إليه؟

هذه ليست حكاية عن خبر تأخر ساعات.

إنها حكاية عن مؤسسة قد تنفق وقتًا وجهدًا ومالًا لصناعة إنجاز حقيقي، ثم تضع حول إعلامها من القيود الإجرائية ما يجعل هذا الإنجاز يصل إلى المجتمع متأخرًا، باردًا، وفاقدًا لكثير من أثره.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فالإعلام المؤسسي ليس مجرد كاميرا تلتقط الصور، ولا منصة تنشر البيانات، ولا لوحة إعلانات إلكترونية تعلق عليها المؤسسة أخبارها.

الإعلام هو الطريقة التي تحكي بها المؤسسة قصتها.

هو عينها التي ترى بها صورتها أمام المجتمع، وصوتها الذي تشرح به ما تفعله، وجسرها الذي يصل بين ما يحدث داخلها وما يشعر به الناس خارجها.

وعندما يصبح هذا الجسر بطيئًا إلى درجة أن الآخرين يعبرون قبله، تبدأ المؤسسة في خسارة شيء أكبر من خبر.

تبدأ في خسارة الحضور.

والأخطر أن هذه المشكلة قد تحدث في مؤسسة تبدو، من الخارج، شديدة الانضباط.

لا فوضى.

لا أخطاء صارخة.

لا كلمات غير محسوبة. في

كل شيء يمر عبر القنوات الرسمية.

كل صورة تتم مراجعتها.

كل عبارة تخضع للتدقيق.

كل مادة تنتظر الموافقة.

لكن وسط كل هذا الانضباط

قد تضيع قيمة أساسية:التوقيت.

والإعلام، في جوهره، لا يعيش بالكلمات وحدها.

يعيش بالكلمة المناسبة، في اللحظة المناسبة، للجمهور المناسب.

فإذا جاءت الكلمة بعد انتهاء اللحظة، فقد تتحول من رسالة مؤثرة إلى مجرد توثيق متأخر.

وهنا تظهر مفارقة خطيرة:

قد لا تخسر المؤسسة إعلامها لأنها منعته من الكلام، وإنما لأنها جعلته يتحدث دائمًا بعد أن يكون الآخرون قد تحدثوا.

قد تبقى الكاميرا تعمل.

وقد تستمر المنصات في النشر.

وقد تمتلئ الصفحات بالأخبار والصور.

لكن الإعلام يفقد تدريجيًا قدرته على صناعة الحضور، ويتحول من أداة للتواصل إلى أرشيف للأحداث.

وهذه ليست مشكلة موظف إعلام.

إنها مشكلة ثقافة إدارية.

فحين يتعلم العاملون في الإعلام أن المبادرة قد تكون مخاطرة، وأن كل تفصيلة تحتاج إلى إذن، وأن سرعة الاستجابة قد تفتح بابًا للمساءلة، يصبح الخيار الأكثر أمانًا هو الانتظار.

ومع الوقت، يصبح الانتظار عادة.

ثم تصبح العادة نظامًا.

ثم يصبح النظام ثقافة يصعب كسرها.

وهنا لا يعود السؤال: هل الإعلام يعمل؟

بل يصبح السؤال الأهم:

*هل الإعلام يعمل بالسرعة التي تعمل بها المؤسسة نفسها؟*

فإذا كانت المؤسسة تنجز اليوم، بينما إعلامها يخبر الناس غدًا، فهناك فجوة لا يمكن تغطيتها بكثرة المنشورات.

وإذا كان المجتمع يعرف الحدث من مصادر أخرى قبل أن يعرفه من المؤسسة نفسها، فإن المؤسسة تكون قد فقدت جزءًا من موقعها الطبيعي كمصدر للمعلومة.

 

*الرقابة ليست المشكلة*

لكن الإنصاف يقتضي أن نقول شيئًا مهمًا:

المشكلة ليست في المراجعة نفسها.

وليست في حماية المؤسسة من الخطأ.

وليست في وجود مسؤولية مهنية تحكم ما ينشر باسمها.

الإعلام المؤسسي يحتاج إلى ضوابط، تمامًا كما يحتاج إلى سرعة.

لكن الفارق كبير بين الرقابة التي تحمي الرسالة والرقابة التي تشل الرسالة.

الرقابة الذكية لا تراجع كل شيء بالطريقة نفسها، ولا تجعل كل صورة وكل جملة تمر في الطريق الإداري ذاته.

إنها تضع قواعد واضحة مسبقًا، وتحدد ما يحتاج إلى مراجعة، وما يمكن نشره مباشرة، ومن يملك صلاحية القرار، ومتى تنتهي المراجعة.

بمعنى آخر:

لا ينبغي أن تكون كل مادة إعلامية مشروعًا جديدًا للحصول على الموافقات.

فإذا كانت القواعد واضحة، والأدوار محددة، والمسؤوليات معروفة، يصبح من الممكن منح مساحة حقيقية لمن يعمل في الميدان.

وهنا نصل إلى المفهوم الذي تحتاجه المؤسسات اليوم: *التمكين المسؤول*

الإعلامي المؤسسي لا يحتاج إلى حرية بلا حدود.

يحتاج إلى ثقة داخل حدود واضحة.

يحتاج إلى سياسة معلنة يعرف من خلالها ما الذي يستطيع نشره، وما الذي يحتاج إلى مراجعة، وما الذي يستدعي تصعيدًا إلى مستوى أعلى.

ويحتاج قبل ذلك كله إلى أن يشعر أن المؤسسة لا تنتظر منه أن يكون مجرد منفذ للتعليمات، وإنما تتوقع منه أن يمارس مهنيته ويتحمل مسؤولية قراراته.

هذه هي فكرة التمكين المسؤول.

أن تعطي الإنسان مساحة للحركة، وفي الوقت نفسه تعطيه قواعد تحميه وتحمي المؤسسة.

أن تحاسبه على تجاوز القواعد، لا على مجرد امتلاكه المبادرة.

أن تقيس جودة الإعلام بقدرته على تحقيق الهدف الاتصالي، وليس فقط بعدد الموافقات التي حصل عليها.

من البيروقراطية إلى الرشاقة الاتصالية

المؤسسة الحديثة تحتاج إلى ما يمكن تسميته الرشاقة الاتصالية.

أي قدرتها على فهم الحدث، وصياغة الرسالة، والوصول إلى الجمهور في الوقت الذي تكون فيه المعلومة ذات قيمة.

وهذا لا يعني العشوائية.

بل يعني أن السرعة نفسها تصبح جزءًا من المهنية.

فليس كل تأخير دليلًا على الدقة.

وليس كل تعدد في المراجعات دليلًا على الجودة.

أحيانًا تكون أفضل حماية للمؤسسة هي أن تقول الحقيقة بوضوح وسرعة، بدل أن تترك الفراغ المعلوماتي مفتوحًا أمام روايات أخرى.

وفي عالم تتغير فيه المعلومة خلال دقائق، لم يعد كافيًا أن يكون الخبر صحيحًا.

يجب أن يكون صحيحًا وفي وقته.

وهنا يجب أن تتغير بعض الأسئلة التي تطرحها المؤسسات على إعلامها.

بدلًا من:

«هل تمت مراجعة الخبر؟»

ينبغي أن نسأل أيضًا: *هل وصل في الوقت المناسب؟*

وبدلًا من:

«هل مر الخبر بكل المستويات؟»

IMG 20260923 WA0000

ينبغي أن نسأل:

هل كان يحتاج فعلًا إلى المرور بكل هذه المستويات؟

وبدلًا من أن يكون معيار النجاح هو عدد الموافقات التي حصلت عليها المادة، يجب أن يصبح السؤال:

هل وصلت الرسالة إلى الإنسان الذي نريد أن تصل إليه، في اللحظة التي كان يمكن أن تصنع فيها أثرًا؟

هذه ليست دعوة إلى تجاوز المسؤولية.

بل دعوة إلى إعادة تنظيمها.

فالمسؤولية الحقيقية ليست أن يمر كل شيء عبر شخص واحد، وإنما أن تكون هناك منظومة يعرف فيها كل شخص حدود سلطته ومساحة قراره.

عندها يصبح الإعلام أسرع دون أن يصبح أكثر فوضى.

وتصبح الرقابة أكثر ذكاءً دون أن تصبح أكثر قسوة.

ويصبح المسؤول قادرًا على حماية المؤسسة دون أن يتحول، من حيث لا يقصد، إلى نقطة اختناق لكل رسالة تخرج منها.

 

المؤسسة التي تتحدث في الوقت المناسب

المؤسسات القوية لا تحتاج إلى إعلام يتحدث كثيرًا.

تحتاج إلى إعلام يعرف متى يتحدث.

لأن الجمهور لا يعيش في توقيت المؤسسة الإداري.

الناس لا تنتظر انتهاء دورة المراجعات حتى تعرف ما حدث.

والمعلومة التي كان يمكن أن تصنع أثرًا صباحًا، قد لا تصنع الأثر نفسه مساءً.

لهذا فإن تطوير الإعلام المؤسسي لا يبدأ فقط من الكاميرات، ولا من المنصات، ولا من زيادة عدد الأخبار.

يبدأ من سؤال إداري أبسط وأعمق:

هل نحن نبني نظامًا يحمي الرسالة، أم نظامًا يؤخرها؟

فإذا كانت المؤسسة تريد إعلامًا حيًا، فعليها أن تمنحه الثقة بقدر ما تمنحه التعليمات.

وإذا كانت تريد صورة حقيقية عن إنجازاتها، فعليها أن تسمح للإنجاز بأن يصل إلى الناس قبل أن يفقد حرارته.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإعلام ليس أن يُمنع من الكلام.

بل أن يُسمح له بالكلام…

بعد أن يكون الجميع قد قال كل شيء.

وحينها قد تستيقظ المؤسسة ذات صباح، فتجد أن الكاميرا ما زالت تعمل، والمنصة ما زالت تنشر، والموظف ما زال ينتظر الموافقة…

لكن الجمهور لم يعد ينتظر خبرها.

زر الذهاب إلى الأعلى