
الدكتور ناصر الجندي يكشف لعنة الريشة البيضاء: “حكاية المرأة التي خانها من صنعتهم”
لعنة الريشة البيضاء: حكاية المرأة التي خانها من صنعتهم
بقلم الدكتور ناصر الجندي
كان في مصر القديمة بيتٌ عظيم يسمونه بيت الحياة.
لم يكن قصرًا، ولا معبدًا، ولا دارًا للترف.
كان مكانًا تُربّى فيه عقول الصغار، وتُنسخ فيه البرديات، ويتعلم فيه الكتبة أسرار الحساب واللغة والحكمة.
وعند مدخله كان يقف مقياس ماعت.
كفتان متساويتان.
في إحداهما ريشة.
وفي الأخرى كل ما أراد الناس أن يضعوه فيها.
وكانت القاعدة القديمة تقول إن من يجلس في صدر بيت الحياة يجب أن يترك الريشة هي التي تحكم.
ثم جاءت إلى البيت امرأة.
وكان أول ما أعجبها فيه جدار النقوش.
جدار طويل أبيض، اعتاد المصريون أن يتركوا عليه صور من خدموا بيت الحياة، حتى لا يضيع أثرهم.
لكن المرأة لم تسأل كثيرًا عمن استحق أن يُنقش.
كانت تسأل عن المكان المتبقي على الجدار.
فكلما اتسعت مساحتها، اتسعت رغبتها في أن ترى الوجوه حولها.
وبدأ النقاشون يعملون.
وجه هنا.
ومشهد هناك.
وصف طويل من الرجال الواقفين بالقرب منها.
حتى صار الجدار أكثر ازدحامًا من بيت الحياة نفسه.
وفي الجهة الأخرى، كان حَمَلة البرديات القدامى يتناقصون.
واحدٌ أُرسل إلى أطراف الإقليم.
وآخر أُبعد عن مجلس الحكمة.
وثالث أصبح يجلس أمام ألواحه ولا يُطلب منه شيء.
كانوا يعرفون البيت حجرًا حجرًا، لكنهم لم يعودوا يعرفون الطريق إلى غرفه.
وفي الوقت نفسه، بدأت وجوه جديدة تظهر.
رجل كان يقضي أيامه في ركن صغير من أركان بيت الحياة، فإذا به يجد نفسه فجأة في المجلس الأكبر، حيث تُتخذ القرارات التي تمس بيوت العلم كلها.
ورجل جاء من الضفة البعيدة، لا يعرف أسماء القرى ولا طرقها، لكنه وجد له مكانًا في صدر البيت.
ورجل آخر لم يكن يحمل في يده إلا ما يكفي لفتح الأبواب.
وكان كلما اتسع كرسي أحدهم، اتسع مكانه على الجدار.
وكانوا ينادونها فيما بينهم باسمٍ حميم: «أمّنا».
فهي التي فتحت لهم الأبواب التي لم تكن مفاتيحهم تكفي لفتحها.
وكانت تفرح بذلك النداء.
لم تكن تعرف أن بعض الكلمات تشبه الأزهار؛ جميلة في موسمها، وسريعة الذبول حين يتغير الفصل.
وفي إحدى الليالي، حدث أمر صغير لم ينتبه إليه أحد.
وضعت يدٌ مجهولة *قطعة ذهب في كفة مقياس ماعت.
فمال الميزان.
ثم وُضعت قطعة أخرى.
فمال أكثر.
ثم قطعة ثالثة.
حتى بدأت الريشة البيضاء ترتفع شيئًا فشيئًا.
وفي الصباح، لم يسأل أحد عن السبب.
فالميزان لم يكن يتكلم.
والذهب لا يحتاج إلى لسان.
لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث في بيت الحياة.
كلما ارتفع رجل إلى مكان أكبر، كان عدد البرديات التي يفهمها أقل.
وكلما اتسعت دائرة النقوش حول الجدار، ضاقت دائرة الكفاءة داخل البيت.
حتى جاء يوم لم يعد فيه حَمَلة البرديات يعرفون أي معيار يتبعون.
فرفع أحدهم عينيه إلى مقياس ماعت.
كانت الريشة قد أصبحت في أعلى الكفة.
أما الكفة الأخرى فكانت مثقلة بما لا يُرى.
وفي تلك اللحظة، هبّت ريح شديدة من ناحية النيل.
ارتجف الجدار.
تساقطت بعض الألوان.
وسقطت من إحدى النقوش قطعة صغيرة من الذهب كانت قد رُسمت بعناية.
تدحرجت على الأرض.
ثم توقفت عند قدم كاتب عجوز.
انحنى الرجل والتقطها.
نظر إليها طويلًا.
ثم وضعها على الأرض بجوار المقياس.
لم يقل شيئًا.
فقد كان يعرف أن الذهب الذي يثقل الميزان في الظلام لا يستطيع أن يثقل التاريخ في النهار.
ومرت الأعوام.
ثم تبدل كل شيء.
فقد بدأ المرض يطرق باب المرأة.
في البداية كان وجعًا صغيرًا.
ثم صار أثقل.
ثم أصبحت خطواتها قليلة.
واليد التي كانت تشير إلى الرجال صارت ترتجف.
والعين التي كانت تبحث عن الوجوه حولها أصبحت تبحث عن باب لا يدخله أحد.
وللمرة الأولى، صار لديها وقت طويل.
وقت يكفي لأن تنظر إلى الوراء.
كانت تستدعي أسماء الرجال الذين رفعتهم.
فتأتيها أخبارهم.
هذا أصبح صاحب شأن.
وهذا انتقل إلى بيت آخر.
وهذا صار من كبار القوم.
وكانت تبتسم حينًا، ثم تسأل عن زيارتهم.
كانوا يأتون في البداية.
لكن زياراتهم أخذت تقل.
ثم أصبحت متباعدة.
ثم انقطعت.
وبقيت هي وحدها.
ذات مساء، طلبت أحد أولئك الذين كانوا ينادونها «أمّنا».
جاء الرجل.
وقف بعيدًا عنها.
كانت تحدق فيه طويلًا.
ثم مدت يدها.
لكنه لم يقترب.
كانت عيناها تسألان سؤالًا لم تستطع شفتاها أن تنطقاه.
فانحنى قليلًا، ثم غادر.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد تسمع ذلك النداء.
أمّنا.
اختفى كما تختفي الكتابة القديمة حين يمر عليها الماء.
وبدأت تسمع بدلًا منه أصواتًا أخرى.
أصوات حَمَلة البرديات الذين أبعدتهم.
وأسماء الرجال الذين أُغلقت في وجوههم الأبواب.
ووجوهًا لم تجد لها مكانًا على الجدار.
وكان أشد ما يؤلمها أنها بدأت ترى ما لم تكن تراه وهي قوية:
أن الرجال الذين صنعتهم لم يكونوا أبناءها.
كانوا أبناء مصلحتهم.
وفي ليلة عاصفة، خرجت المرأة من بيتها رغم مرضها.
كان النيل مضطربًا.
والطريق مبتلًا.
وكانت تريد أن ترى بيت الحياة للمرة الأخيرة.
وحين وصلت، وقفت أمام الجدار.
كانت النقوش لا تزال هناك.
وجهها.
وجوه المقربين.
مشاهد الاحتفالات.
كل شيء تقريبًا كما تركته.
لكنها لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل.
كان تحت بعض الوجوه خطوط صغيرة تشبه الشقوق.
اقتربت.
مدت يدها إلى الحجر.
وفي اللحظة نفسها، دوّى صوت سقوط من أعلى الجدار.
انهارت قطعة كبيرة من الحجر.
تراجعت مذعورة.
تعثر قدمها.
ثم اختفت عن أعين الحراس خلف الظلال.
وعندما انقشع الغبار، كان الصمت وحده في المكان.
لم يكن أحد يعرف كيف انتهت الحكاية.
لكن في الصباح، وجدوا المرأة ميتة.
ولم يعرف أهل المدينة إن كان النهر قد أخذها، أم أن الحجر أسقطها، أم أن الليل كان أكثر قسوة مما ظنوا.
غير أن شيئًا واحدًا كان غريبًا.
كان أحد الرجال الذين صنعتهم بيديها قد وصل إلى المكان قبل الجميع.
وقف طويلًا أمام الجثمان.
نظر حوله.
وحين تأكد أن لا عين تراقبه، انحنى.
كان في يده حجر صغير.
وضعه بجوارها، ثم عاد إلى بيت الحياة.
لم يعرف أحد ماذا فعل.
ولم يسأل أحد.
فالناس كثيرًا ما يبحثون عن القاتل في الظلام، ولا يبحثون عن السلسلة التي أوصلت إليه.
وكان الرجل نفسه قد قضى سنوات يناديها:
«أمّنا».
بعد موتها، أُعيد فتح سجلات بيت الحياة.
فوجدوا شيئًا عجيبًا.
كل اسم أُبعد في عهدها كان يحمل وراءه قصة.
وكل اسم صعد كان يحمل وراءه بابًا فُتح في غير موضعه.
وعندما أعاد الكتبة وزن مقياس ماعت، وجدوا أن الريشة البيضاء قد عادت إلى مكانها.
أما الكفة الأخرى، فقد بقي فيها شيء واحد.
قطعة الذهب.
فلم يجرؤ أحد على لمسها.
وفي اليوم الذي أُزيلت فيه بعض النقوش من الجدار، لم يسقط منها شيء.
فقط اختفت الألوان.
وظلت الحجارة.
وظل الجدار.
وظلت الريشة.
أما المرأة التي ملأت الجدار بصورتها، فلم يبق من قصتها إلا شق صغير في حجر قديم.
وكان شيخ النقاشين كلما مر بجواره، وضع يده عليه لحظة، ثم يمضي.
لم يكن يحتاج إلى شرح.
فقد كان يعرف أن بعض النهايات لا تحتاج إلى قاضٍ.
يكفي أن يترك الإنسان وراءه ميزانًا يعرف الحقيقة، وجدارًا يتذكر، ونهرًا لا ينسى.
ومنذ ذلك الزمن، صار كتبة بيت الحياة يرددون حكمة لم تُكتب على الجدران:
«لا تخشَ من أن تُمحى صورتك من الحجر…اخشَ أن تبقى صورتك، ويختفي أثرك.»