
الخبير التربوى الدكتور ناصر الجندي يستكشف “هرم الخوف.. عندما يصبح نجاح المرؤوس تهديدًا للرئيس”
هرم الخوف.. عندما يصبح نجاح المرؤوس تهديدًا للرئيس
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
في المؤسسات التعليمية، لا تبدأ مشكلة تحجيم المتميزين دائمًا بقرار مكتوب، ولا تأتي بالضرورة في صورة عقوبة واضحة يمكن الإمساك بها. أحيانًا تبدأ بنظرة قلقة، أو تعليق عابر، أو اجتماع يتم فيه تجاهل إنجاز، ثم تتطور شيئًا فشيئًا إلى منظومة كاملة تجعل الموظف يتعلم درسًا غير مكتوب:
لا ترفع رأسك كثيرًا.. حتى لا تتحول قدرتك إلى مشكلة.
وعندما يتسع المشهد التعليمي ليصبح سُلّمًا رأسيًا متسلسلًا، تتكرر الدراما بنفس السيناريو، ولكن بملامح أكبر وتأثير أشد. فما يحدث داخل الفصل الدراسي يمكن أن يُعاد إنتاجه داخل أروقة المدرسة، ثم في الإدارة التعليمية، ثم في المديرية.
وهنا تصبح الهرمية الإدارية، التي يفترض أن تكون سلمًا للصعود والتكامل، في بعض البيئات، درَكًا للتحجيم.
من الفصل إلى قمة الهرم
على مستوى المدرسة، تكون الصورة الأولى والأكثر وضوحًا.
معلم شاب يمتلك حماسًا حقيقيًا، يحول فصله إلى مساحة نابضة بالحياة، يجذب طلابه، ويكسب ثقة أولياء الأمور، ويصنع نتائج يمكن رؤيتها وقياسها.
المفترض أن تفرح الإدارة بهذا المعلم، وأن تعتبر نجاحه رصيدًا للمدرسة.
لكن في بيئة إدارية غير صحية، قد يتحول هذا التميز إلى مصدر قلق.
فبدل أن تسأل الإدارة: كيف نساعده على أن ينجح أكثر؟
قد يبدأ السؤال غير المعلن: لماذا يبرز هو أكثر من غيره؟
وعندها يبدأ الحماس في الانكماش تحت وطأة التفاصيل الإدارية؛ مزيد من الأعمال الورقية، وتكليفات تستنزف الوقت، وانشغال متزايد بالدفاتر والكشوف، حتى يتحول المعلم الذي كان يشتعل من أجل طلابه إلى شخص يحاول فقط أن ينتهي من يومه دون مشكلة.
وهنا لا تكون المشكلة في العمل الإداري ذاته؛ فالانضباط والتوثيق والمتابعة جزء أصيل من العمل التعليمي.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التنظيم إلى أداة لإطفاء المبادرة، وعندما يصبح نجاح المعلم مصدرًا للقلق بدل أن يكون مصدرًا للفخر.
ثم تنتقل اللعبة إلى مدير المدرسة
مدير مدرسة يمتلك رؤية مختلفة.
يحول مدرسته إلى نموذج في النشاط، والانضباط، والنتائج، والشراكة مع المجتمع، ويخلق حالة من الحراك تجعل المدرسة محل اهتمام الجميع.
مرة أخرى، المفترض أن ترى الإدارة التعليمية في ذلك فرصة.
لكن إذا كانت الثقافة الإدارية قائمة على الحساسية تجاه بروز المرؤوس، فقد يظهر قلق من نوع آخر: هل أصبحت هذه المدرسة أكثر حضورًا من بقية المدارس؟
وهل أصبح مديرها نموذجًا يلفت الأنظار؟
وهنا قد يبدأ التحجيم بصورة أكثر تعقيدًا: تفتيش روتيني مبالغ فيه، تشدد إداري لا يتناسب مع الموقف، تأخير بعض الاحتياجات، تضييق مساحة الحركة، أو إغراق الإدارة المدرسية في تفاصيل بيروقراطية تجعلها تنشغل بالدفاع عن نفسها بدل تطوير مدرستها.
ليس كل تفتيش تضييقًا، وليس كل مساءلة تهميشًا، وليس كل اختلاف في الرأي الإداري محاولة لإطفاء النجاح.
لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الاختلاف المهني غطاءً لتحجيم الشخص، وتتحول الرقابة من وسيلة للتقويم إلى وسيلة لإعادة الجميع إلى مستوى واحد من الركود.
فالمؤسسة الناجحة لا ينبغي أن تخاف من مدرسة ناجحة.
بل ينبغي أن تسأل: كيف نجعل نجاح هذه المدرسة عدوى إيجابية تنتقل إلى المدارس الأخرى؟
وعند مستوى المديرية.. يكبر المشهد
ثم نصل إلى المستوى الثالث: مدير إدارة تعليمية يمتلك رؤية، ويبتكر حلولًا للأزمات، ويتعامل مع عجز المعلمين، ويبحث عن بدائل، ويحقق طفرة واضحة في قطاعه.
هنا يصبح المشهد أكثر حساسية.
فإذا كانت القيادة العليا واثقة من نفسها، فإنها ترى في هذا المدير كنزًا إداريًا ينبغي دعمه.
أما إذا تسللت إليها هواجس المنافسة، فقد يتحول نجاح المرؤوس إلى مصدر قلق.
ليس بالضرورة بصورة مباشرة أو معلنة.
قد يظهر الأمر في صورة عدم إبراز الإنجازات، أو عدم منح صاحب المبادرة حقه من التقدير، أو توزيع أفكاره على أماكن أخرى دون الإشارة إلى صاحبها، أو تقليص مساحة مشاركته في الاجتماعات، أو إبعاده تدريجيًا عن دوائر التأثير.
وهنا يصبح السؤال أخطر: هل نحن أمام إدارة للإنجاز، أم إدارة للظهور؟
فالقيادة الحقيقية لا تخشى أن يظهر مرؤوسها بصورة أفضل.
بل تعتبر ظهور المرؤوس امتدادًا لنجاحها هي.
المأساة المركبة.. أثر الدومينو
المشكلة الحقيقية في هذا الهرم ليست في موقف واحد، وإنما في أثر الدومينو.
عندما يشعر مدير الإدارة بالقلق من تميز مدير المدرسة، يمارس عليه ضغطًا مباشرًا أو غير مباشر.
وعندما يشعر مدير المدرسة بأنه مهدد، قد ينقل الضغط إلى المعلم.
وهكذا يبدأ الخوف من القمة، وينتهي عند القاعدة.
مدير يخشى مديرًا.
ومدير مدرسة يخشى مدير الإدارة.
ومعلم يخشى مدير المدرسة.
وفي النهاية يدفع الطالب الثمن.
لأن المؤسسة التعليمية التي كان يفترض أن تصنع بيئة للإبداع، تصبح بيئة يتعلم فيها الجميع مهارة أخرى: كيف لا تكون متميزًا أكثر من اللازم.
وتحكم هذه السلسلة قاعدة خفية شديدة الخطورة: “لا ترفع رأسك كثيرًا.. كي لا تُقطع.”
المشكلة ليست في القائد القوي
لكن الإنصاف يقتضي أن نقول شيئًا مهمًا:
ليست كل مساءلة تحجيمًا، وليست كل ملاحظة إدارية خوفًا، وليست كل مخالفة إجرائية استهدافًا للمتميز.
كما أن القائد ليس مطالبًا بأن يوافق على كل مبادرة يقدمها مرؤوسوه.
القضية أعمق من ذلك.
القضية هي الثقافة الإدارية التي تعتبر بروز المرؤوس تهديدًا لمكانة الرئيس.
القائد الواثق لا يخاف من موظف لامع.
والمدير الناجح لا يخشى مدير مدرسة ناجحًا.
وقيادة المديرية القوية لا تخشى مدير إدارة يصنع حلولًا ويتقدم الصفوف.
لأن القائد الحقيقي يعرف أن نجاح من يعملون معه لا يسحب الضوء منه، وإنما يزيد مساحة الضوء التي يملكها.

القيادة ليست إدارة العتمة
المشكلة أن بعض المؤسسات قد تنشغل، من حيث لا تشعر، بإدارة العتمة بدل صناعة الضوء.
تبدأ في مراقبة من يبرز بدل أن تسأل لماذا لا يبرز الآخرون.
تبحث عن الخطأ في المتميز بدل أن تبحث عن أسباب النجاح.
تتعامل مع المبادرة باعتبارها خروجًا عن المألوف، بدل أن تراها فرصة لتطوير المألوف.
وهنا تتحول القيادة من وظيفة لصناعة القادة إلى وظيفة لمنع ظهورهم.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في مؤسسة تعليمية.
لأن التعليم لا يحتاج إلى موظفين يخافون الخطأ فقط.
التعليم يحتاج إلى معلمين يجرؤون على الابتكار، ومديري مدارس يملكون الشجاعة للتجريب، ومديري إدارات يستطيعون صناعة الحلول، وقيادات عليا تمتلك الثقة الكافية لتسمح لكل هؤلاء بأن يلمعوا.
النجاح الحقيقي أن تصنع من ينجح بعدك
القائد الذي يحتاج دائمًا إلى أن يكون هو الأكثر ظهورًا، هو قائد يدير صورته.
أما القائد الذي يفرح عندما يتفوق عليه أحد مرؤوسيه، فهو قائد يبني مؤسسة.
وهنا يمكن قياس القيادة بسؤال بسيط: ماذا يحدث للمتميزين عندما يعملون تحت إدارتك؟
هل يصبحون أقوى؟
هل تمنحهم المساحة؟
هل تحمي مبادراتهم؟
هل تنسب الإنجاز إلى أصحابه؟
هل تدفعهم إلى الصفوف الأولى؟
أم أنك تشعر بالخطر كلما ارتفع أحدهم قليلًا؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا إداريًا.
إنها جوهر القيادة.
فالمؤسسة التعليمية القوية ليست تلك التي يظهر فيها القائد وحده في الصورة.
بل تلك التي تتسع فيها الصورة للجميع.
وفي النهاية، لا ينبغي أن تكون الهرمية التعليمية سلمًا يصعد عليه شخص واحد، بينما يخشى كل من تحته أن يصعد.
بل يجب أن تكون سلسلة من القيادات التي يصنع كل مستوى فيها المستوى الذي يليه.
لأن القائد الحقيقي لا يخشى أن يعلو مرؤوسه.
القائد الحقيقي يعرف أن أعظم إنجاز يمكن أن يتركه خلفه، ليس أن يظل هو في القمة، وإنما أن يصنع من يستطيع أن يصل إليها من بعده.
فالمؤسسة التي تقاد بالخوف من بريق المرؤوسين، تُحوّل القيادة من وظيفة لـ “صناعة الضوء”إلى مهارة في *”إدارة العتمة”.
أما النجاح المؤسسي الحقيقي، فيبدأ عندما يدرك المسؤول في أعلى الهرم أن قوة نوره لا تتأتى من إطفاء المصابيح التي تحته، وإنما من قدرته على أن يجعل كل لمبة في هذه السلسلة تضيء بأقصى طاقتها.