
محو الأمية ليس تعليمًا مجتمعيًا.. حين يربكنا المصطلح نربك الحل
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
قد تبدو بعض الأخطاء في الخطاب التعليمي مجرد تفاصيل لغوية يمكن تجاوزها، خصوصًا عندما تأتي في مناسبة إنسانية نبيلة مثل اليوم العالمي لمحو الأمية.
لكن في التعليم تحديدًا، المصطلح ليس مجرد كلمة.
المصطلح يحدد الفئة المستهدفة، والفئة تحدد المشكلة، والمشكلة تحدد البرنامج، والبرنامج يحدد الموارد، ثم تأتي مؤشرات القياس لتخبرنا في النهاية: هل نجحنا أم لا؟
ولهذا فإن الخلط بين المفاهيم التعليمية ليس خطأً لغويًا عابرًا.
إنه قد يتحول إلى خطأ في التشخيص، ثم إلى خطأ في التخطيط، ثم إلى خطأ في الحل.
وهنا تبرز الحاجة إلى التمييز بوضوح بين محو الأمية، وتعليم الكبار، والتعليم المجتمعي.
عندما يصبح كل من هو خارج المدرسة “أميًا”
في الخطاب العام، قد تختلط أحيانًا صور مختلفة من الحرمان التعليمي تحت عنوان واحد.
لكن طفلًا انقطع عن المدرسة ليس هو بالضرورة الشخص البالغ الذي لم يتعلم القراءة والكتابة.
والطفل الذي لم يلتحق بالتعليم النظامي ليس هو نفسه دارس محو الأمية من الكبار.
وتعليم الكبار ليس مرادفًا لمحو الأمية، بل إن محو الأمية يمثل أحد مكوناته.
وهذه ليست ملاحظات أكاديمية هامشية؛ فاليونسكو تنظر إلى تعليم الكبار باعتباره مجالًا واسعًا يشمل محو الأمية والمهارات الأساسية، والتعليم المستمر، والتدريب، وبرامج “الفرصة الثانية”، وغيرها من مسارات التعلم.
أما التعليم المجتمعي، فهو مفهوم أوسع في الأدبيات الدولية، ويمكن أن يشمل أطفالًا وبالغين، ولا يصح اختزاله تلقائيًا في محو الأمية أو في فئة عمرية واحدة. وتضع اليونسكو “التعليم المجتمعي” ضمن مظلة التعليم غير النظامي.
إذن، المسألة ليست في البحث عن كلمة أجمل.
المسألة في أن نعرف بالضبط: من نتحدث عنه؟
الطفل المتسرب يحتاج إلى شيء مختلف
عندما نتحدث عن مدارس أو برامج تستهدف الأطفال الذين انقطعوا عن التعليم أو لم يلتحقوا به، فإننا أمام قضية مختلفة في طبيعتها.
نحن نتحدث عن طفل في سن التعليم، له احتياجات نفسية ونمائية واجتماعية وتربوية مختلفة، ويحتاج إلى مسار يعيده إلى التعلم ويحافظ على استمراره فيه.
أما محو الأمية لدى الكبار، فله أهداف وطرائق واحتياجات مختلفة.
قد يلتقي المساران في هدف كبير هو إتاحة التعلم لمن حُرم منه، لكن هذا لا يعني أنهما شيء واحد.
وهنا يقع الفرق بين وحدة الهدف ووحدة المفهوم.
قد يكون الهدف واحدًا: بناء الإنسان.
لكن الطريق إلى الطفل ليس هو الطريق إلى الكبير.

الشعارات الجميلة لا تكفي
من الطبيعي أن نقول إن محو الأمية “بداية جديدة للحياة”، وإن المعرفة “بوابة للتمكين”، وإن التعليم “طريق لبناء المستقبل”.
كل ذلك صحيح من حيث القيمة الإنسانية.
لكن السؤال الذي يجب ألا نهرب منه هو: أين البيانات؟
كم يبلغ عدد المستهدفين؟
كم منهم من الكبار الذين يحتاجون إلى برامج محو الأمية؟
وكم منهم أطفال خارج التعليم النظامي؟
أين يتركز كل نوع من أنواع الحرمان التعليمي؟
ما أسباب المشكلة؟
كم فصلًا متاحًا؟
كم مستفيدًا؟
وكم منهم أتم البرنامج بالفعل؟
وكم منهم أصبح قادرًا على توظيف ما تعلمه في حياته اليومية؟
هذه ليست أسئلة بيروقراطية.
هذه هي اللغة الحقيقية للتخطيط التعليمي.
فلا يمكن أن نعلن أننا نحارب مشكلة دون أن نعرف حجمها، ولا أن نقيس نجاح الحل دون أن نحدد خط البداية.
من “بناء الإنسان” إلى قياس ما بُني
عبارات مثل:
بناء الإنسان، صناعة المستقبل، التمكين، جودة الحياة، التعلم مدى الحياة
عبارات نبيلة، لكنها لا تكفي وحدها لإدارة ملف تعليمي.
فالخطاب التربوي الجاد لا يتوقف عند السؤال:
“ماذا نريد أن نقول؟”
بل ينتقل إلى سؤال أصعب: “ماذا حدث بالفعل؟”
كم إنسانًا تعلم؟
كم طفلًا عاد إلى المدرسة؟
كم دارسًا اكتسب مهارات القراءة والكتابة والحساب؟
كم منهم استمر؟
وما الأثر الذي تركه البرنامج في حياته؟
هنا فقط تنتقل القضية من الخطاب إلى السياسة التعليمية.
وهناك فرق بين الاحتفاء بالمناسبة وفهم القضية
الاحتفال باليوم العالمي لمحو الأمية في الثامن من سبتمبر صحيح، والاحتفال عام 2026 له خصوصية فعلًا؛ فهو يوافق الذكرى الستين لإعلان اليوم العالمي لمحو الأمية من جانب اليونسكو عام 1966، بينما بدأت الاحتفالات السنوية في 1967.
كما أن شعار عام 2026 هو: “محو الأمية من أجل الإنسان والكوكب والازدهار”
وهو شعار رسمي يعكس اتساع مفهوم محو الأمية ودوره في التنمية والاندماج والاستدامة.
لكن دقة المناسبة لا تعفي من دقة المفاهيم.
بل العكس.
كلما كانت المناسبة علمية، أصبح واجبنا أن يكون خطابنا أكثر علمية.
أخطر الأخطاء هو الخطأ الذي يبدو صحيحًا
ربما تكون أخطر الأخطاء التعليمية ليست تلك التي تبدو فادحة.
إنها الأخطاء التي تبدو للوهلة الأولى صحيحة لأنها تستخدم كلمات نبيلة ومقبولة:
التعليم حق للجميع.
المعرفة قوة.
بناء الإنسان هدف أساسي.
مواجهة الأمية مسؤولية مجتمعية.
كل ذلك صحيح.
لكن المشكلة تبدأ عندما نضع تحته فئات مختلفة، ومشكلات مختلفة، وبرامج مختلفة، ثم نتعامل معها باعتبارها ملفًا واحدًا.
هنا يصبح السؤال ضروريًا:هل نحن أمام مشكلة واحدة فعلًا، أم أمام مشكلات متعددة جمعناها تحت عنوان واحد؟
التعليم الجيد يبدأ من سؤال بسيط
قبل أن نفتح فصلًا جديدًا، علينا أن نعرف من سيدخل هذا الفصل.
وقبل أن نضع برنامجًا، علينا أن نعرف المشكلة التي صُمم البرنامج لحلها.
وقبل أن نعلن النجاح، علينا أن نحدد المؤشر الذي سيخبرنا أننا نجحنا.
فالطفل الذي تسرب من التعليم يحتاج إلى سياسة استبقاء وإعادة دمج.
والطفل الذي لم يلتحق أصلًا يحتاج إلى سياسة وصول وإتاحة.
والبالغ الذي لم يكتسب مهارات القراءة والكتابة يحتاج إلى برنامج لمحو الأمية وتعليم الكبار.
وقد تتقاطع هذه المسارات، لكنها لا تصبح مسارًا واحدًا لمجرد أننا وضعناها في منشور واحد.
المشكلة ليست في الكلمات.. بل فيما وراء الكلمات
ليس الهدف من النقد هنا التقليل من قيمة محو الأمية، ولا التشكيك في أهمية التعليم المجتمعي، ولا الانتقاص من أي جهد يستهدف الإنسان.
على العكس تمامًا.
إن احترام القضية يبدأ باحترام مفاهيمها.
فكلما كانت القضية أكبر، وجب أن تكون المصطلحات أكثر دقة.
وكلما كانت الموارد أكثر محدودية، أصبح الخطأ في تحديد المستهدف أكثر تكلفة.
وكلما تحدثنا عن بناء الإنسان، أصبح من واجبنا أن ننتقل من البلاغة إلى البيانات، ومن الشعارات إلى المؤشرات، ومن الاحتفال بالإنجاز إلى قياس أثره.
كلمة أخيرة…
قد لا يكون أخطر ما يواجه ملفات التعليم هو نقص المبادرات.
قد يكون الأخطر أحيانًا أن نضع مشكلات مختلفة تحت اسم واحد، ثم نبحث لها عن حل واحد.
فإذا أخطأنا في تعريف المشكلة، فلن ينقذنا جمال الشعار.
وإذا خلطنا بين الفئات، فلن تنقذنا كثرة البرامج.
وإذا غابت الأرقام، فلن تستطيع الكلمات وحدها أن تخبرنا إن كنا قد نجحنا.
لذلك، فإن البداية الحقيقية لأي إصلاح تعليمي ليست: “ماذا سنفعل؟”
بل:
“ما المشكلة تحديدًا؟ ومن المستهدف؟ وما الدليل؟ وكيف سنقيس النتيجة؟”
لأن التعليم لا يحتاج فقط إلى حسن النوايا.
يحتاج إلى دقة في المصطلح، ودقة في التشخيص، ودقة في التخطيط.
فحين يربكنا المصطلح…
نربك الفئة.
وحين نربك الفئة…
نربك البرنامج.
وحين نربك البرنامج…
نربك الحل كله.