الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب: الطفل لا يستقبل المعرفة… بل يبنيها

جان بياجيه يضع أمامنا المرآة: ماذا لو كان الخطأ الذي نراه في إجابة الطفل هو في الحقيقة خطوة في طريق تفكيره؟

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

هناك مشهد صغير يحدث كل يوم داخل الفصل الدراسي، وربما مررنا به آلاف المرات دون أن نتوقف أمام معناه.

يسأل المعلم الطفل: «ما هذا؟»

فيجيب الطفل إجابة خاطئة.

يصحح له المعلم الإجابة، ثم ينتقل إلى السؤال التالي، وقد يظن أنه أدى مهمته بنجاح: قال المعلومة الصحيحة، والطفل سمعها.

لكن هنا يظهر سؤال أكثر أهمية: هل تعلّم الطفل فعلًا؟

قد تكون الإجابة: لا.

لأن الطفل، وفقًا للرؤية التي قدمها عالم النفس السويسري جان بياجيه، لا يدخل إلى المدرسة بعقل فارغ ينتظر من يملؤه بالمعلومات، وإنما يدخل إليها بعقل يعمل بالفعل، يلاحظ، ويجرب، ويفترض، ويخطئ، ويعيد التفكير، ثم يبني شيئًا جديدًا من خلال احتكاكه بالعالم.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية للتعلم.

من «ماذا قلت للطفل؟» إلى «ماذا حدث داخل عقل الطفل؟»

أحد أكبر التحولات التي أحدثها بياجيه في فهمنا للتعلم أنه نقل مركز الاهتمام من *المعلومة إلى *المتعلم.

لم يعد السؤال الأساسي: ماذا سنشرح للطفل؟

بل أصبح: كيف يفكر الطفل؟ وكيف يبني فهمه لما يراه؟

وهذا الفرق يبدو بسيطًا في الكلمات، لكنه عميق جدًا في الممارسة التعليمية.

فالمعلم يستطيع أن يشرح درسًا كاملًا في عشرين دقيقة، والطفل يستطيع أن يردد ما سمعه في نهاية الحصة، ومع ذلك قد لا يكون قد بنى فهمًا حقيقيًا.

فالذاكرة تستطيع أن تحفظ الإجابة، لكن الفهم يحتاج إلى أن يبني العقل طريقه إليها.

ولهذا فإن التعلم الحقيقي ليس مجرد انتقال المعرفة من عقل المعلم إلى عقل الطالب، كما تنتقل الملفات من جهاز إلى آخر.

التعلم عملية بناء.

والطفل ليس مجرد متلقٍ لهذه العملية، بل هو أحد صانعيها.

قصة القطة… التي تكشف كيف يعمل عقل الطفل

لنفترض أن طفلًا صغيرًا رأى قطة للمرة الأولى.

قد يعرف من قبل حيوانات أخرى، وربما يعرف الكلب مثلًا، فينظر إلى القطة ويقول: *«كلب!»*

من منظور الكبار، الإجابة خاطئة.

لكن من منظور بياجيه، هناك شيء أكثر إثارة يحدث داخل عقل الطفل.

فالطفل يحاول أن يفهم الخبرة الجديدة باستخدام ما لديه من معرفة سابقة.

لديه في ذهنه تصور معين عن «الحيوان ذي الأربع أرجل»، وربما كانت خبرته السابقة مرتبطة بالكلب، ولذلك يحاول وضع القطة داخل الإطار الذي يعرفه.

هذه العملية يسميها بياجيه *الاستيعاب Assimilation.

أي أن الطفل يحاول فهم الخبرة الجديدة من خلال بنية معرفية موجودة لديه مسبقًا.

لكن القطة لا تتوقف عند هذا الحد.

فالطفل يكتشف تدريجيًا أن هناك شيئًا لا ينسجم مع تصوره السابق: القطة ليست كلبًا، ولها خصائص مختلفة، وتصدر أصواتًا مختلفة، وتتصرف بطريقة مختلفة.

هنا يحتاج عقله إلى تعديل ما لديه.

فيبدأ في بناء تصور أكثر دقة: هذه قطة، وهذا كلب.

IMG 20260905 WA0083

وهنا نصل إلى مفهوم بياجيه الثاني: المواءمة Accommodation.

أي تعديل البنية المعرفية الموجودة حتى تصبح قادرة على استيعاب الخبرة الجديدة.

ومن هنا تبدأ واحدة من أجمل أفكار بياجيه: الطفل لا يتعلم لأننا صححنا له الخطأ فقط، بل لأنه واجه شيئًا جعله يعيد تنظيم ما يعرفه.

والخطأ؟ ربما يكون أهم من الإجابة الصحيحة!

نحن في التعليم كثيرًا ما نتعامل مع الخطأ باعتباره شيئًا يجب التخلص منه بسرعة.

الإجابة خاطئة؟

صححها.

الحل غير صحيح؟

أعطِه الطريقة الصحيحة.

الطالب لم يفهم؟

أعد الشرح.

لكن التفكير بهذه الطريقة قد يجعلنا نفوّت فرصة تعليمية ثمينة.

فالخطأ ليس دائمًا علامة على غياب المعرفة؛ أحيانًا يكون نافذة نرى من خلالها طريقة تفكير الطفل.

عندما يقول الطفل إن 9 + 6 = 14، فإن القيمة التربوية الحقيقية لا تكمن فقط في إخباره بأن الإجابة هي 15، وإنما في أن نسأل: لماذا قال 14؟

ما الذي فهمه؟

وأين حدث الخلل؟

وما القاعدة التي يستخدمها؟

وما الخبرة التي يحتاج إليها حتى يعيد بناء فهمه؟

هنا يتحول الخطأ من «مشكلة» إلى معلومة عن عقل المتعلم.

وهذه واحدة من أهم الرسائل التي يمكن أن يأخذها المعلم من بياجيه.

حين يفقد العقل توازنه… يبدأ التعلم

هناك مفهوم ثالث شديد الأهمية في نظرية بياجيه: التوازن المعرفي.

العقل بطبيعته يحب الاتساق.

نحن نشعر بالراحة عندما تتوافق الأشياء الجديدة مع ما نعرفه، لكن ماذا يحدث عندما نواجه خبرة لا تتفق مع أفكارنا السابقة؟

يحدث نوع من الاضطراب.

الطفل يعرف أن كل الطيور تطير، ثم يرى طائرًا لا يطير.

يعرف أن الحيوان ذا الأربع أرجل «كلب»، ثم يرى قطة.

يعرف أن الشيء الأكبر حجمًا يجب أن يكون أثقل، ثم يكتشف تجربة تخالف ذلك.

هنا يحدث ما يشبه اهتزازًا صغيرًا في البناء المعرفي.

والسؤال الذي يبدو مزعجًا للطفل قد يكون هو بالضبط السؤال الذي يدفع عقله إلى التعلم.

إنه لا يعود يريد مجرد إجابة؛ بل يريد أن يعيد ترتيب عالمه الداخلي حتى يصبح أكثر اتساقًا.

وهنا تأتي دورة التعلم:

خبرة جديدة → استيعاب أو مواءمة → إعادة تنظيم المعرفة → توازن معرفي جديد.

ثم تأتي خبرة أخرى… فيبدأ البناء من جديد.

وهكذا لا يتوقف التعلم.

المعلم ليس ناقل معلومات

ربما تكون هذه هي الرسالة الأكثر جرأة في فكر بياجيه.

إذا كان الطفل يبني معرفته من خلال التفاعل مع البيئة، فإن وظيفة المعلم لا ينبغي أن تختزل في أن يكون «مخزنًا للمعلومات» يقف أمام الطلاب ويفرغ ما في ذاكرته على دفاترهم.

المعلم الأكثر تأثيرًا هو الذي يعرف *كيف يصنع البيئة التي تجعل عقل الطفل يعمل.

بدل أن يقول: «احفظ هذه القاعدة.»

قد يسأل: «ماذا تلاحظ؟»

وبدل أن يقدم الحل مباشرة، قد يقول: «ماذا تتوقع أن يحدث لو غيّرنا هذا الجزء؟»

وبدل أن يعاقب الطالب على الخطأ، قد يسأله: «كيف وصلت إلى هذه الإجابة؟»

وبدل أن يخشى الأسئلة الكثيرة، قد يعتبرها دليلًا على أن العقول بدأت تتحرك.

هنا يصبح المعلم مصممًا للخبرة التعليمية، وليس مجرد ناقل للمعلومة.

الفصل الذي لا يسمح للطفل بأن يخطئ… قد لا يسمح له بأن يفكر

هذه الفكرة تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا.

إذا كان الطالب يعرف أن كل إجابة خاطئة ستقابل بالسخرية، أو العقاب، أو المقارنة، أو نظرة الإحباط، فسوف يتعلم شيئًا خطيرًا: أن الأمان أهم من التفكير.

وسرعان ما يتحول هدفه من البحث عن الإجابة إلى البحث عن الإجابة التي يريد المعلم سماعها.

وهنا يمكن أن يبدو الفصل الدراسي ناجحًا جدًا من الخارج:

أيادٍ مرفوعة، إجابات محفوظة، دفاتر ممتلئة، وطلاب يحصلون على درجات جيدة.

لكننا قد نكتشف لاحقًا أن بعض هؤلاء الطلاب فقدوا أهم شيء: *القدرة على أن يقولوا: «لا أعرف… لكن دعني أكتشف.»*

وهذه الجملة الصغيرة ربما تكون من أثمن علامات التعلم الحقيقي.

منهج بياجيه لا يعني أن نترك الطفل وحده

وهنا يجب أن ننتبه إلى نقطة مهمة.

ففكرة أن الطفل «يبني معرفته» لا تعني أن دور المعلم انتهى، ولا أن التعليم أصبح مجرد ترك الأطفال يكتشفون كل شيء بأنفسهم.

على العكس.

المعلم يظل عنصرًا حاسمًا، لكن دوره يتغير.

هو الذي يختار الخبرة المناسبة، ويطرح السؤال المناسب، ويقدم التحدي المناسب، ويراقب تفكير الطفل، ويتدخل عندما يحتاج الطفل إلى مساعدة، ثم ينسحب عندما يصبح قادرًا على مواصلة الطريق بنفسه.

إنه لا يبني المعرفة بدلًا من الطفل.

بل يساعد الطفل على أن يبنيها *بنفسه.

وهنا يكمن الفرق بين التدريس الذي يملأ العقول، والتدريس الذي يفتح العقول.

لماذا تبدو أفكار بياجيه أكثر أهمية اليوم؟

لأننا نعيش في عصر لم تعد فيه المشكلة الأساسية هي الوصول إلى المعلومات.

المعلومة أصبحت في كل مكان.

محرك البحث يستطيع أن يجدها، والهاتف يستطيع أن يعرضها، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يشرحها، والمنصات التعليمية تستطيع أن تقدمها خلال ثوانٍ.

لكن السؤال الأصعب أصبح: هل يستطيع الإنسان أن يفهم ما يصل إليه؟

هل يستطيع أن يميز بين الحقيقة والوهم؟

هل يستطيع أن يربط معلومة جديدة بما يعرفه؟

هل يستطيع أن يراجع أفكاره عندما تظهر أدلة جديدة؟

هل يستطيع أن يعترف بأن فهمه السابق كان ناقصًا؟

هل يستطيع أن يعيد بناء معرفته؟

هذه ليست مهارات حفظ.

إنها مهارات تفكير وبناء معرفي.

ولهذا فإن بياجيه، رغم أن نظريته ظهرت في القرن العشرين، يظل حاضرًا بقوة في نقاشات التعليم المعاصر.

الدرس الأكبر: لا تسرع في إعطاء الطفل الإجابة

ربما يحتاج التعليم اليوم إلى تغيير بسيط في عادة قديمة جدًا.

عندما يسأل الطفل سؤالًا، لا ينبغي أن يكون ردنا دائمًا هو الإجابة.

أحيانًا تكون أفضل إجابة هي: «ماذا تظن أنت؟»

وعندما يخطئ، لا نتعجل في قول: «خطأ.»

بل نسأل: «لماذا فكرت بهذه الطريقة؟»

وعندما يصل إلى نتيجة غير متوقعة، لا نغلق الباب، بل نفتحه أكثر: *«ماذا يمكن أن يحدث لو جرّبنا بطريقة أخرى؟»*

لأن الطفل الذي يحصل على كل الإجابات جاهزة قد يتعلم كثيرًا من المعلومات، لكنه قد لا يتعلم كيف يصنع المعرفة.

أما الطفل الذي يتعلم أن يلاحظ، ويجرب، ويخطئ، ويعيد التفكير، ويعدل فهمه، ويبحث عن تفسير، فهو لا يتعلم درسًا واحدًا فقط.

إنه يتعلم كيف يتعلم.

وهذه، في النهاية، قد تكون أعظم هدية يمكن أن تمنحها المدرسة لطفل.

المدرسة ليست مصنعًا للإجابات

كان بياجيه يذكّرنا، بصورة أو بأخرى، بأن عقل الطفل ليس وعاءً نملؤه، وإنما *بناءٌ حيّ يتشكل باستمرار.

كل خبرة جديدة قد تضيف قطعة.

كل سؤال قد يفتح نافذة.

كل خطأ قد يكشف طريقًا.

كل حيرة قد تكون بداية فهم.

وكل مرة يعيد فيها الطفل ترتيب أفكاره، يكون قد قطع خطوة جديدة في رحلة بناء معرفته.

لذلك، ربما حان الوقت لأن نعيد تعريف النجاح في الفصل الدراسي.

ليس النجاح أن يكون المعلم قد قال كل شيء.

وليس النجاح أن يكون الطالب قد حفظ كل شيء.

النجاح الحقيقي أن يخرج الطفل من الحصة وهو يرى العالم بطريقة مختلفة عما كان يراه قبل أن يدخلها.

فالمعلم العظيم ليس من يستطيع أن يجعل الطفل يعرف الإجابة فقط…

بل من يستطيع أن يجعل الطفل يرغب في معرفة: لماذا؟ وكيف؟ وماذا لو؟

وهنا تبدأ التربية الحقيقية.

وهنا أيضًا نفهم لماذا لم يكن الطفل عند بياجيه مجرد مستقبل للمعرفة…

بل كان شريكًا في صناعتها.

زر الذهاب إلى الأعلى