
الأسلوب الأمثل لإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف
بقلم : دكتور إسماعيل زين خضر – إمام وخطيب بوزارة الأوقاف.
لا تزال الأمة الإسلامية تُحيي ذكرى المولد النبوي الشريف عامًا بعد عام، وتستعيد في هذه المناسبة العطرة سيرة خير الخلق، صلى الله عليه وسلم، وتستحضر مواقفه وأخلاقه وهديه. غير أن الأسلوب الأمثل لإحياء هذه الذكرى المباركة لا ينبغي أن يتجسد في مجرد مظاهر احتفاء عابرة، ولا أن تُختزل المناسبة في احتفالية موسمية تنتهي بانتهاء يومها، وإنما يكمن جوهر الإحياء الحقيقي في أن نُعيد بعث سنته في حياتنا، وأن نجعل من هديه منهجًا نقتدي به، ومن أخلاقه سلوكًا نعيش به في شتى مناحي الحياة.
فالسنة النبوية الشريفة هي التجلي العملي لهدي النبي، صلى الله عليه وسلم، وترجمة حية لقيم الإسلام ومبادئه في واقع الإنسان، فهي الوحي المبيّن والتطبيق العملي للرسالة، ومن خلالها تتجسد معاني الإيمان في السلوك والمعاملة والأخلاق، لتظل رسالة الإسلام حاضرة في حياة الناس، لا مجرد نصوص تُتلى أو شعائر تُؤدى. وقد كانت السيرة النبوية العطرة، ولا تزال، النبراس الذي يضيء للمسلم طريقه في الدنيا، ويعينه على الاستعداد لآخرته.
إنها المنهج القويم الذي أسس بناء الأمة الإسلامية، وأقام صرح حضارتها، ووضع القواعد الراسخة لمجتمع يقوم على الإيمان والعدل والرحمة والتكافل، ويستمد قوته من أخلاقه وقيمه قبل أن يستمدها من أي شيء آخر. غير أن الاتباع الصادق للنبي، صلى الله عليه وسلم، لا ينبغي أن يقف عند حدود الشكل، أو يقتصر على محاكاة ظاهر الأفعال والأقوال؛ بل إن الاقتداء الحقيقي يتجاوز المظاهر إلى المعاني، ويتعمق في روح السيرة ومقاصدها، ويستوعب القيم الكبرى التي صنعت الشخصية المحمدية، وأقامت ذلك النموذج الإنساني الفريد الذي جمع بين العبادة والأخلاق، وبين القوة والرحمة، وبين الحزم والعفو، وبين حقوق الله وحقوق العباد.
إن المطلوب اليوم أن تتحول السيرة النبوية من صفحات نقرأها إلى منهج حياة نعيشه، ومن ذكرى نحتفي بها إلى رسالة نترجمها في واقعنا؛ فتغدو الرحمة أسلوبًا في التعامل، والعدل ميزانًا في الحكم، والتسامح خلقًا، والتكافل مسؤولية، والأمانة سلوكًا، والإحسان ثقافة راسخة في المجتمع.
نريد أن تمتد الأخلاق المحمدية من المساجد والمنابر إلى البيوت والمدارس وأماكن العمل والطرقات، وأن تظهر آثارها في تعامل الآباء مع أبنائهم، والأبناء مع آبائهم، والجيران مع بعضهم، والزملاء في مواقع العمل، وفي كل تفاصيل العلاقات الإنسانية. فليس من المعقول أن نُكثر الحديث عن أخلاق النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم يغيب أثرها عن سلوكنا ومعاملاتنا.
لقد وضع النبي، صلى الله عليه وسلم، اللبنات الأولى لمجتمع متماسك متراحم، يشعر فيه الإنسان بأخيه، ويشد بعضه أزر بعض، ويتعاون أفراده على البر والخير، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وقوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد».
ولو أن الأمة استمسكت بهذه المبادئ العظيمة المستمدة من المشكاة النبوية، وجعلتها واقعًا معاشًا لا مجرد شعارات، لاستطاعت أن تتجاوز كثيرًا من أزماتها، وأن تستعيد قدرًا كبيرًا من تماسكها وقوتها، ولأصبحت أكثر قدرة على مواجهة الشبهات، والتصدي لمحاولات التشويه والاستهداف، وبناء إنسان أكثر وعيًا وثباتًا وانتماءً لقيمه وأمته.
فالاعتصام بسنة النبي، صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد طريق للنجاة الفردية فحسب، وإنما هو سبيل لإصلاح المجتمع وبناء الإنسان؛ إذ تنير السنة طريق المسلم، وتمنحه ميزانًا يفرق به بين الحق والباطل، والخير والشر، وما ينبغي أن يكون وما لا ينبغي أن يكون. لقد جاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، معلمًا للشعائر والدين، ومربيًا للنفوس، ومؤسسًا لمنظومة أخلاقية وإنسانية متكاملة. فلم تكن رسالته مقصورة على جانب من جوانب الحياة، وإنما جاءت لتصنع الإنسان في عبادته، وأخلاقه، وعلاقاته، ومسؤوليته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه والناس من حوله.
ومن هنا، فإن أعظم احتفاء بالمولد النبوي الشريف ليس في كثرة مظاهر الاحتفال، وإنما في أن نُحيي أخلاق النبي فينا، وأن نُعيد إلى حياتنا شيئًا من رحمته وعدله وتواضعه وعفوه وأمانته، وأن يكون حبنا له، صلى الله عليه وسلم، حبًا يثمر اتباعًا، واتباعنا له سلوكًا، وسلوكنا أثرًا طيبًا في حياة من حولنا. فمولد النبي، صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد ذكرى نعود إليها كل عام، وإنما مناسبة متجددة لنسأل أنفسنا: ماذا بقي من أخلاقه في حياتنا؟ وماذا قدمنا من سنته للجيل الذي يأتي بعدنا؟ إن أعظم ما نحيي به ذكرى المصطفى، صلى الله عليه وسلم، أن نحيا نحن بهديه، فحين تتحول محبته إلى أخلاق، وسيرته إلى منهج، وسنته إلى سلوك، عندها فقط يصبح الاحتفاء بالمولد النبوي إحياءً حقيقيًا لمعاني الرسالة، واستعادةً لنور النبوة في حياتنا.