
الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يتسأل : ماذا لو كانت الوحدة الوطنية امتحانًا للمدرسة؟
ماذا لو كانت الوحدة الوطنية امتحانًا للمدرسة؟
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
في كل عام دراسي تقريبًا، نكرر الحديث عن التربية الوطنية، وعن قيم الانتماء، وعن أهمية الوحدة الوطنية، ونكتب العبارات الجميلة على جدران المدارس، ونرفع الأعلام في المناسبات، ويتحدث الطلاب في الإذاعة المدرسية عن مصر التي تجمع أبناءها جميعًا تحت راية واحدة. وكل ذلك ضروري وجميل، لكنني أظن أننا نحتاج إلى أن نتوقف لحظة ونسأل سؤالًا أكثر صعوبة، وربما أكثر صدقًا: ماذا لو كانت الوحدة الوطنية ليست درسًا ينبغي أن نعلّمه للطفل، وإنما امتحانًا ينبغي أن تنجح فيه المدرسة نفسها؟
هذا السؤال يغيّر زاوية النظر بالكامل؛ لأننا بدل أن ننشغل بما يقوله الطفل عن المواطنة، سنبدأ في النظر إلى ما تفعله المدرسة أمام الطفل، وبدل أن نسأل: هل يستطيع الطالب أن يعرّف الوحدة الوطنية؟ سنسأل: هل يعيش داخل مدرسة يشعر فيها بالعدل والاحترام والأمان، ويتعلم فيها أن الاختلاف يمكن أن يكون طبيعيًا، وأن حقه لا يكتمل إلا باحترام حق غيره؟
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
المدرسة التي تقول شيئًا… وتفعل شيئًا آخر
تخيل طفلًا يدخل المدرسة في الصباح، فيجد على أحد جدرانها عبارة كبيرة تقول:
«كلنا واحد.»
يمر بجوارها كل يوم، وربما حفظها عن ظهر قلب، وربما كتب عنها في موضوع التعبير، وربما رددها في طابور الصباح.
لكن ماذا يحدث إذا دخل الفصل فوجد أن المعلم لا يسمع إلا الطلاب المتفوقين؟
ماذا يحدث إذا رأى زميلًا يُهان لأنه أضعف دراسيًا؟
ماذا يحدث إذا أخطأ طالب فتعرض للسخرية أمام زملائه؟
ماذا يحدث إذا شعر طفل أن صوته لا قيمة له لأن المعلم لا يسمح له بالسؤال أو الاعتراض؟
وماذا يحدث عندما يرى أن بعض الطلاب يُعاملون بطريقة مختلفة لمجرد أن أسرهم أكثر نفوذًا أو قدرة أو حضورًا؟
هنا تبدأ المشكلة.
لأن الطفل لا يتعلم من اللافتة المعلقة على الحائط بقدر ما يتعلم من السلوك الذي يراه أمامه كل يوم.
قد تقول له المدرسة: «كلنا واحد»، لكنه إذا عاش فيها التمييز، فسيتعلم التمييز.
وقد تقول له: «احترم الآخرين»، لكنه إذا رأى الكبار يسخرون ممن يختلف معهم، فسيتعلم أن الاحترام شعار جميل لا علاقة له بالحياة.
وقد تحدثه عن العدالة طوال العام، لكنه إذا شعر أن العدالة لا تطبق عليه، فسوف يتعلم درسًا آخر أكثر رسوخًا: أن القيم شيء نقوله، والقوة شيء آخر نمارسه.
وهنا بالضبط يصبح التعليم أمام امتحان حقيقي.
ربما لا نحتاج إلى حصة جديدة… بل إلى مدرسة جديدة
أحيانًا نتعامل مع القيم وكأنها معلومات تحتاج إلى حصة إضافية في الجدول، فنقول للمعلم: تحدث مع الطلاب عن المواطنة، واشرح لهم معنى التسامح، وحدثهم عن الوحدة الوطنية.
لكن الطفل لا يحتاج فقط إلى أن يسمع عن هذه القيم؛ هو يحتاج إلى أن يعيشها.
فكيف نطلب من طفل أن يؤمن بالعدل، بينما المدرسة نفسها لا تمنحه فرصة عادلة للتعبير؟
وكيف نطالبه باحترام المختلف، بينما ثقافة الفصل تقوم أحيانًا على تصنيف الأطفال إلى قوي وضعيف، ومتفوّق ومتأخر، ومحبوب ومهمّش؟
وكيف نطلب منه أن يؤمن بأن الوطن للجميع، بينما خبرته اليومية تقول له إن بعض الأصوات أقوى من أصوات أخرى؟
لذلك أعتقد أن السؤال الأكثر أهمية ليس: كيف نعلّم الوحدة الوطنية؟
بل:
كيف نصمم مدرسة تجعل الوحدة الوطنية نتيجة طبيعية لما يحدث داخلها؟
وهنا يتحول الأمر من درس إلى فلسفة كاملة في إدارة المدرسة.
العدالة المدرسية… أول درس في حب الوطن
ربما لا ينتبه كثيرون إلى أن أول علاقة للطفل بفكرة «الدولة» قد تبدأ من المدرسة.
فالطفل لا يعرف في سنواته الأولى الكثير عن المؤسسات والقوانين والحقوق والواجبات، لكنه يعرف شيئًا واحدًا جيدًا جدًا:
هل عوملت بعدل أم لا؟
عندما يقف طفلان أمام المعلم بسبب مشكلة واحدة، ويشعر كلاهما أن الحكم كان عادلًا، فإن المدرسة تكون قد زرعت في داخلهما شيئًا أكبر من مجرد الانضباط.
لقد زرعت الثقة.
وعندما يعرف الطفل أن الخطأ يُحاسب عليه الجميع، وأن النجاح لا يمنح صاحبه امتيازًا في الكرامة، وأن الطالب الضعيف لا يفقد حقه في الاحترام، فإن المدرسة تعلّمه بصورة عملية معنى المساواة.
وهنا نفهم شيئًا بالغ الأهمية:
المواطنة تبدأ من شعور الإنسان بأن له مكانًا عادلًا بين الآخرين.
فالذي يشعر بالعدل يتعلم احترام النظام، والذي يشعر بالاحترام يتعلم احترام الآخرين، والذي يتعلم احترام الآخرين يصبح أكثر قدرة على الاختلاف معهم دون أن يحول الاختلاف إلى كراهية.
وهكذا تتكون الوحدة الوطنية من أسفل إلى أعلى، لا من أعلى إلى أسفل.
المعلم لا يشرح الوطن فقط… أحيانًا يجسده
هناك معلم قد ينساه الطالب بعد سنوات، وهناك معلم آخر يظل صوته يعيش في ذاكرته حتى بعد أن يغادر المدرسة بعقود.
ليس بالضرورة لأنه كان أكثرهم علمًا، وإنما لأنه جعل الطفل يشعر للمرة الأولى أن صوته مسموع، وأن خطأه لا يجعله إنسانًا أقل قيمة، وأن نجاح زميله لا يعني فشله، وأن الاختلاف في الرأي ليس جريمة.
هذا المعلم لا يحتاج إلى أن يلقي محاضرة طويلة عن الوحدة الوطنية.
سلوكه اليومي يكفي.
عندما يستمع إلى طالب هادئ لا يرفع يده كثيرًا، فهو يقول له دون كلمات: أنت مهم.
وعندما يمنع السخرية من طالب ضعيف، فهو يقول له: كرامتك محفوظة.
وعندما يرفض التمييز بين الطلاب، فهو يقول لهم: القانون فوق الجميع.
وعندما يسمح بالاختلاف داخل الفصل، فهو يقول لهم: يمكننا أن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء.
أليست هذه هي المواطنة في صورتها الأكثر نقاءً؟
تخيل أن المدرسة أصبحت وطنًا صغيرًا
تخيل مدرسة يدخلها الطفل كل صباح فيجد فيها نموذجًا مصغرًا للوطن الذي نريده.
مدرسة يعرف فيها أن القانون لا يتغير حسب الشخص، وأن الخطأ يُناقش دون إهانة، وأن النجاح لا يعطي صاحبه حق احتقار الآخرين، وأن الطالب الضعيف يحتاج إلى دعم لا إلى سخرية، وأن المختلف في رأيه ليس خصمًا، وأن المشاركة ليست امتيازًا تمنحه الإدارة لمن تشاء، بل ممارسة يتعلمها الجميع.
في مثل هذه المدرسة، لن يحتاج المعلم إلى أن يقول للطلاب كل يوم: «كونوا مواطنين صالحين».
لأن المدرسة نفسها ستخبرهم بذلك من خلال طريقة عملها.
وهنا تظهر فكرة شديدة الأهمية:
المدرسة ليست مجرد مكان يتعلم فيه الطفل عن المجتمع؛ المدرسة هي أول مجتمع يتعلم الطفل كيف يعيش داخله.
فإذا كانت تجربته الأولى مع المجتمع قائمة على العدل والحوار والاحترام والمشاركة، فمن المرجح أن يحمل هذه القيم معه عندما يصبح مواطنًا بالغًا.
أما إذا كانت تجربته قائمة على الخوف والإقصاء والتمييز وإسكات الصوت المختلف، فلا يمكن أن نتوقع منه بسهولة أن يصبح مواطنًا يؤمن بالحوار والعدالة.
الوحدة الوطنية تبدأ أحيانًا من طريقة توزيع الأدوار
قد يبدو الأمر بسيطًا جدًا، لكنه ليس كذلك.
عندما يعمل الطلاب في مشروع جماعي، هل نعطي دائمًا القيادة للطالب الأكثر تفوقًا؟
أم نكتشف أن هناك طالبًا هادئًا لديه قدرة على التنظيم، وآخر لديه موهبة فنية، وثالث يجيد الإقناع، ورابع يستطيع حل المشكلات؟
إذا تعلم الطفل أن لكل إنسان قيمة مختلفة، وأن نجاح المجموعة لا يتوقف على شخص واحد، فإنه يتعلم شيئًا بالغ الأهمية عن المجتمع.
ليس مطلوبًا أن نكون متشابهين حتى ننجح معًا.
المجتمع الناجح ليس مجموعة من النسخ المتطابقة، وإنما مجموعة من القدرات المختلفة التي تعرف كيف تعمل في اتجاه واحد.
وهذه الفكرة وحدها يمكن أن تغير الطريقة التي ننظر بها إلى الوحدة الوطنية.
فالوحدة ليست إلغاء الاختلاف.
الوحدة هي القدرة على تحويل الاختلاف إلى قوة.
ماذا تفعل المدرسة عندما يختلف اثنان؟
هنا ربما يوجد أحد أهم الاختبارات.
طالبان يختلفان.
أحدهما يقول: «هو غلط.»
والآخر يقول: «أنا اللي صح.»
هل تنتهي القصة بأن يحدد المعلم فائزًا وخاسرًا؟
أم يستغل الموقف ليعلمهما شيئًا سيحتاجان إليه طوال حياتهما؟
أن يسمع كل منهما الآخر.
أن يشرح موقفه.
أن يعترف إذا أخطأ.
وأن يفهم أن الوصول إلى الحقيقة لا يحتاج دائمًا إلى أن يهزم أحدهما الآخر.
هذه ليست مهارة مدرسية صغيرة.
هذه إحدى أهم مهارات بناء المجتمع.
لأن المجتمع الذي لا يعرف أفراده كيف يختلفون، يتحول كل اختلاف فيه إلى صراع.
أما المجتمع الذي يتعلم فيه الناس أن الاختلاف يمكن أن يكون حوارًا، فهو مجتمع يملك فرصة أكبر للاستقرار والتقدم.
ومن هنا تصبح طريقة إدارة الخلاف داخل المدرسة جزءًا من بناء الوحدة الوطنية.
أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نجعل الطفل يخاف من المختلف
الخوف هو العدو الحقيقي للمواطنة.
فالإنسان عندما يخاف ممن لا يعرفه، يبدأ في بناء صورة ذهنية عنه، ثم يتحول المختلف إلى غريب، والغريب إلى «آخر»، والآخر إلى شخص يجب الحذر منه.
لكن ماذا يحدث عندما نضعهما معًا في مشروع؟
وعندما نجعلهما يعملان في فريق واحد؟
وعندما نسمح لهما باكتشاف أن لديهما أحلامًا متشابهة، ومخاوف متشابهة، وطموحات متشابهة، وأن الاختلاف الذي بدا كبيرًا من بعيد يصبح صغيرًا جدًا عندما نتعامل وجهًا لوجه؟
هنا تفعل المدرسة شيئًا بالغ الأهمية:
إنها تستبدل الخوف بالمعرفة، والصورة النمطية بالعلاقة الإنسانية.
وهذه واحدة من أعظم وظائف التعليم.
لهذا أقول: لا تكتبوا «كلنا واحد» فقط… اجعلوا الطفل يشعر بها
ليس المطلوب أن نلغي الشعارات.
الشعارات مهمة، والرموز الوطنية مهمة، والاحتفالات مهمة، والتاريخ مهم.
لكنها تصبح أقوى بكثير عندما تجد أمامها تجربة حقيقية تؤكدها.
حين يرى الطفل أن زميله المختلف عنه يحصل على الحق نفسه، ويشارك في النشاط نفسه، ويُسمع صوته، ويحظى بالاحترام نفسه، يصبح شعار «كلنا واحد» شيئًا عاشه قبل أن يردده.
وعندما يمد يده لزميله الذي سقط، فلن يفعل ذلك لأنه تذكر درسًا عن المواطنة.
سيفعل ذلك لأنه تربى على أن الإنسان أمامه يستحق المساعدة.
وهنا نكون قد وصلنا إلى جوهر التربية.
الامتحان الحقيقي ليس في ورقة الإجابة
قد ينجح الطالب في امتحان التربية الوطنية ويحصل على الدرجة النهائية، ثم يفشل في اختبار المواطنة الحقيقي عندما يرى زميلًا يتعرض للظلم ولا يتحرك.
وقد يكتب موضوعًا ممتازًا عن التسامح، ثم يسخر من زميل مختلف عنه.
وقد يحفظ تعريفًا دقيقًا للمواطنة، لكنه لا يعرف كيف يحترم رأيًا يخالف رأيه.
فهل نجح فعلًا؟
ربما لا.
ولهذا أرى أن الوحدة الوطنية ليست مادة يمتحن فيها الطالب، بل امتحان تمتحن فيه المدرسة نفسها.
امتحان لا توجد له ورقة أسئلة.
ولا لجنة مراقبة.
ولا درجات تعلن في نهاية العام.
بل تظهر نتيجته في سلوك الطلاب، وفي طريقة تعاملهم مع بعضهم، وفي قدرتهم على الاختلاف، وفي احترامهم للإنسان، وفي شعورهم بأن الوطن ليس ملكًا لفئة دون أخرى.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا
إذا أردنا أن نبني مستقبلًا أكثر تماسكًا، فلا يكفي أن نسأل أبناءنا:
«ماذا تعرفون عن الوحدة الوطنية؟»
فلنسأل مدارسنا أولًا:
هل أنتم نموذج للوحدة التي تتحدثون عنها؟
هل يتعلم الطفل فيكم العدل قبل أن يسمع عنه؟
هل يعيش الاحترام قبل أن يحفظ تعريفه؟
هل يمارس الحوار قبل أن نطالبه به؟
هل يشعر أن صوته له قيمة؟
هل يرى أن الاختلاف لا ينتقص من قيمة الإنسان؟
هل يتعلم أن النجاح لا يحتاج إلى إقصاء الآخر؟
إذا كانت الإجابة نعم، فربما نحن لا نحتاج إلى بذل جهد كبير لإقناع هذا الطفل بالوحدة الوطنية.
لقد عاشها بالفعل.
ربما آن الأوان أن نغيّر السؤال.
بدل أن نسأل:
كيف نعلّم أبناءنا الوحدة الوطنية؟
فلنسأل:
كيف نبني مدرسة تجعل الوحدة الوطنية أمرًا طبيعيًا في حياة الطفل؟
لأن الطفل الذي يتعلم العدل سيبحث عنه في مجتمعه، والذي يتعلم احترام الإنسان سيحمله معه إلى الشارع والجامعة والعمل، والذي يتعلم الحوار لن يرى الاختلاف سببًا للكراهية، والذي يعيش المساواة داخل مدرسته سيكون أكثر استعدادًا للدفاع عنها خارجها.
وعندها لن تكون الوحدة الوطنية مجرد كلمات جميلة نرفعها فوق جدران المدرسة.
ستصبح شيئًا يسكن في شخصية الطفل.
شيئًا يظهر عندما يختلف.
وعندما ينجح.
وعندما يفشل.
وعندما يرى ظلمًا.
وعندما يلتقي بمن لا يشبهه.
وهنا فقط يمكن أن نقول إن التعليم أدى دوره الحقيقي.
لأن الوطن لا يبدأ من الخريطة المعلقة على جدار الفصل، ولا من العلم المرفوع في طابور الصباح، ولا من الكلمات التي نحفظها عن ظهر قلب.
الوطن يبدأ من مدرسة يتعلم فيها الطفل أن العدل لا يتغير بتغير الأشخاص، وأن الكرامة لا تتجزأ، وأن الاختلاف لا يفسد الانتماء، وأن نجاح الإنسان لا يحتاج إلى سقوط أخيه.
وربما تكون أقوى صيغة للتربية الوطنية كلها في جملة واحدة:
لا تعلّموا الطفل أن يحب الوطن فقط… علّموه كيف يعامل أبناء الوطن.
فإذا تعلم ذلك جيدًا، فقد بدأ بالفعل في بناء الوطن الذي نريده.