
الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب: حين يتغيّر التعليم… هل تتغيّر مصر؟
حين يتغيّر التعليم… هل تتغيّر مصر؟
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
هناك جملة أؤمن بها بشدة: إصلاح التعليم ليس مشروعًا تعليميًا فقط… بل مشروع لبناء الدولة.
وعندما نتحدث عن تطوير التعليم في مصر، لا يمكن أن نتحدث عن المناهج والامتحانات والتكنولوجيا والمدارس بمعزل عن المشهد الأكبر الذي تعيشه الدولة المصرية.
فالتعليم في النهاية جزء من مشروع الدولة لبناء الإنسان.
ومن هنا، فإن أي قراءة جادة لمستقبل التعليم المصري يجب أن تعترف بحقيقة مهمة: *القيادة السياسية المصرية خلال السنوات الأخيرة وضعت قضية بناء الإنسان وتطوير التعليم في مقدمة أجندة الإصلاح الوطني، ودفعت باتجاه تحديث البنية التعليمية، وتطوير المناهج، والتحول الرقمي، وإعادة النظر في نظم التقييم والثانوية العامة والتعليم الفني.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا فعلنا؟ بل: إلى أين نريد أن نصل؟
التعليم لم يعد قضية وزارة
في الماضي، كان الحديث عن التعليم غالبًا يدور داخل حدود وزارة التربية والتعليم.
اليوم أصبح واضحًا أن القضية أكبر من ذلك بكثير.
فحين تتحدث الدولة عن بناء الإنسان، فإن التعليم يصبح أحد أهم أدوات تحقيق هذا الهدف.
ولهذا جاءت جهود القيادة السياسية في السنوات الماضية لتضع التعليم داخل مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة المصرية وتطوير قدراتها البشرية.
وقد شهدنا توسعًا في إنشاء المدارس، وتطوير البنية التكنولوجية، وإدخال أدوات التحول الرقمي، وإعادة بناء عدد من المناهج، والاهتمام بالتعليم الفني، ومحاولات تطوير منظومة التقييم، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية.
كل ذلك مهم. لكن الأهم أن نفهم فلسفة هذا التغيير.
من مدرسة تحفظ… إلى مدرسة تفكر
المشكلة لم تكن يومًا في أن الطالب المصري لا يستطيع التعلم.
على العكس. لدينا ملايين الطلاب الأذكياء، ومعلمون يمتلكون خبرات هائلة، وأسر تضع التعليم في مقدمة أولوياتها.
المشكلة كانت في نظام تعليمي ظل لفترات طويلة يكافئ الحفظ أكثر مما يكافئ التفكير.
ولهذا فإن الاتجاه نحو تطوير المناهج ونظم التقييم ليس مجرد تغيير في شكل الامتحان.
إنه محاولة للانتقال من سؤال: “ماذا حفظ الطالب؟”
إلى سؤال أكثر أهمية: “ماذا فهم؟ وماذا يستطيع أن يفعل بما تعلمه؟”وهذا التحول يحتاج إلى وقت. لأنك عندما تغيّر الامتحان، فأنت لا تغيّر ورقة أسئلة فقط. أنت تحاول تغيير ثقافة تعليمية كاملة.
التكنولوجيا ليست هي الحل… لكنها أصبحت ضرورة
من أهم التحولات التي شهدها التعليم المصري التوسع في استخدام التكنولوجيا. وهنا يجب أن نكون واقعيين.
التكنولوجيا وحدها لا تصنع تعليمًا جيدًا.
السبورة الذكية لن تجعل المعلم مبدعًا تلقائيًا.
والتابلت لن يجعل الطالب مفكرًا تلقائيًا.
والذكاء الاصطناعي لن يحل محل المدرسة.
لكن التكنولوجيا تستطيع أن تمنح التعليم المصري فرصة تاريخية إذا استخدمت بطريقة صحيحة.
فالطالب يستطيع اليوم الوصول إلى المعرفة في ثوانٍ. إذن لم يعد دور المدرسة أن تكون مخزنًا للمعلومات.
دور المدرسة أن تعلم الطالب كيف يستخدم المعلومات.
كيف يبحث؟
كيف يتحقق؟
كيف يقارن؟
كيف يحلل؟
كيف يكتشف التضليل؟
كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن يسمح له بأن يفكر بدلًا منه؟
وهنا يصبح التحول الرقمي مشروعًا لبناء عقل جديد، وليس مجرد مشروع أجهزة وشبكات.
والقيادة السياسية أمام تحدٍ أكبر
القيادة السياسية تستطيع أن تضع الرؤية.
والوزارة تستطيع أن تضع السياسات.
والخبراء يستطيعون أن يكتبوا المناهج.
لكن هناك طرفًا واحدًا يترجم كل ذلك يوميًا داخل الفصل: المعلم.
ولهذا فإن أي مشروع حقيقي لتطوير التعليم يجب أن يضع المعلم في قلب المعادلة.
لا يمكن أن نطلب من المعلم أن يغيّر طريقة تدريسه دون تدريب حقيقي.
ولا يمكن أن نطالبه بالإبداع بينما نغرقه في الأعمال الورقية.
ولا يمكن أن نطلب منه أن يصنع طالبًا مفكرًا بينما نقيس نجاحه بعدد الملفات التي يحملها.
المعلم ليس موظفًا ينفذ إصلاح التعليم… المعلم هو من يصنع الإصلاح داخل الفصل.

هنا تلتقي التربية بالسياسة
قد يسأل البعض: ما علاقة تطوير التعليم بالمشهد السياسي المصري؟
العلاقة عميقة جدًا. لأن المدرسة لا تصنع طالبًا فقط. المدرسة تصنع مواطنًا. والطالب الذي يتعلم احترام القانون، وقبول الاختلاف، والعمل الجماعي، والحوار، وتحمل المسؤولية، والبحث عن الحقيقة، يصبح بعد سنوات مواطنًا مختلفًا.
والطالب الذي يتعلم أن السؤال حق، وأن التفكير مسؤولية، وأن الاختلاف لا يعني العداء، سيكون أكثر قدرة على التعامل مع المجتمع والدولة بعقل ناضج.
ولهذا فإن تطوير التعليم يمكن أن يكون واحدًا من أهم الاستثمارات طويلة المدى في استقرار الدولة وقوتها. ليس لأن المدرسة مكان للسياسة. بل لأن نوعية المواطن تؤثر في نوعية المجتمع والدولة.
مصر لا تحتاج إلى تغيير كل شيء
وهنا أعتقد أن هناك نقطة مهمة جدًا.
ليس المطلوب أن نهدم النظام التعليمي بالكامل ونبدأ من الصفر.
مصر لديها تجارب ناجحة.
ولديها معلمون متميزون.
ولديها مدارس وجامعات ومؤسسات تعليمية تمتلك خبرات كبيرة. ولدينا تاريخ طويل في التعليم.
المطلوب هو أن نمتلك الشجاعة لنحتفظ بما نجح، ونصحح ما فشل، ونتوقف عن تقديس ما اعتدنا عليه لمجرد أننا اعتدنا عليه. الإصلاح الحقيقي ليس أن تقول إن الماضي كان خطأ بالكامل، بل أن تعرف ماذا تأخذ منه وماذا تتركه للماضي.
أخطر ما يواجه الإصلاح
أخشى دائمًا من شيء واحد:
أن يتحول تطوير التعليم إلى مجموعة من المشروعات المنفصلة.
منهج جديد هنا.
منصة هناك.
امتحان جديد.
تكنولوجيا جديدة.
تدريب جديد.
ثم نكتشف بعد سنوات أننا غيرنا الأدوات… لكننا لم نغير العقلية.
التعليم يحتاج إلى استمرارية.
يحتاج إلى سياسة وطنية طويلة المدى لا تتأثر كثيرًا بتغير الأشخاص.
ويحتاج إلى تقييم علمي مستمر. ويحتاج إلى أن نسأل كل عام:
هل تحسن تعلم الطالب فعلًا؟
هل أصبح المعلم أكثر قدرة؟
هل انخفضت الفجوة بين المدرسة وسوق العمل؟
هل أصبح الطالب أكثر قدرة على التفكير؟
هل أصبح التعليم أكثر عدالة؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تحكم عملية الإصلاح.
والمشهد السياسي أيضًا يتغير عندما يتغير التعليم
السياسة ليست فقط انتخابات وبرامج وأحزابًا ومؤسسات.
السياسة في جوهرها هي علاقة الإنسان بالدولة والمجتمع والآخر.
وإذا أردنا مواطنًا يعرف حقوقه وواجباته، ويحترم القانون، ويشارك بإيجابية، ويستطيع الحوار، ويرفض الشائعة، ويميز بين المعلومة والرأي، فعلينا أن نبدأ من المدرسة.
لذلك فإن تطوير التعليم ليس بعيدًا عن بناء الدولة الحديثة. بل هو أحد أهم مداخلها.
الدولة القوية لا تحتاج فقط إلى اقتصاد قوي وبنية تحتية قوية… تحتاج إلى إنسان قوي في عقله، وضميره، ومهاراته.
من إصلاح التعليم إلى صناعة المستقبل
الخطوة التي بدأتها الدولة المصرية في تطوير التعليم مهمة.
والجهد المبذول خلال السنوات الأخيرة لا ينبغي تجاهله أو اختزاله في انتقاد جزئي هنا أو مشكلة هناك.
لكن في الوقت نفسه، فإن الاعتراف بالجهد لا يعني التوقف عن النقد.
بل العكس.
الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى نقد صادق.
نحتاج أن نقول ما نجح.
ونقول أيضًا ما لم ينجح.
وأن نبحث عن السبب.
وأن نقيس النتائج.
وأن نصحح المسار.
فالدولة التي تريد تعليمًا قويًا لا تخاف من الأسئلة الصعبة.
السؤال الأكثر أهمية أمامنا الآن
ليس: هل طوّرنا التعليم؟
ولكن:
هل بدأ التعليم المصري يصنع الإنسان الذي تحتاجه مصر الجديدة؟
إن كان الهدف هو بناء دولة حديثة، فعلينا أن نبني مدرسة حديثة.
وإن كان الهدف هو اقتصاد قادر على المنافسة، فعلينا أن نبني طالبًا قادرًا على الابتكار.
وإن كان الهدف هو مجتمع متماسك، فعلينا أن نعلّم أبناءنا المواطنة.
وإن كان الهدف هو مستقبل أكثر استقرارًا، فعلينا أن نربي جيلًا يعرف كيف يفكر، لا جيلًا يعرف فقط كيف يحفظ.
لقد بدأت الدولة المصرية خطوات مهمة في طريق تطوير التعليم.
لكن الطريق ما زال طويلًا.
وربما تكون أعظم مهمة في المرحلة القادمة هي أن ننتقل من *إصلاح عناصر التعليم* إلى إعادة بناء منظومة التعليم باعتبارها مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان المصري.
ففي النهاية، يمكن أن نبني آلاف المدارس.
ويمكن أن نشتري ملايين الأجهزة.
ويمكن أن نغيّر مئات الكتب.
لكن السؤال الذي سيحسم نجاح كل ذلك سيظل واحدًا:
ماذا حدث داخل عقل الطالب؟
لأن مستقبل مصر لن تحدده فقط المشروعات التي نبنيها اليوم…
بل العقول التي نضعها داخل هذه المشروعات غدًا.