
الدكتور ناصر الجندي يكتب : نحن جميعًا أقباط… لأننا جميعًا مصريون
الدكتور ناصر الجندي يكتب : نحن جميعًا أقباط… لأننا جميعًا مصريون
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
هناك كلمات نرددها كثيرًا حتى ننسى معناها الحقيقي.
نقول: مسلم وقبطي.
ونقول: المسلمون والأقباط.
وأحيانًا نقول: عنصرا الأمة.
لكنني كلما سمعت هذه العبارات، شعرت أننا ــ من دون أن نقصد ــ نضع خطًا في مكان لا ينبغي أن يكون فيه خط.
فمن قال إن القبطي هو المسيحي فقط؟
القبطي في الأصل يعني المصري.
الكلمة نفسها مرتبطة بمصر، بأرض النيل، بتاريخها، بحضارتها، وبالإنسان الذي عاش على هذه الأرض منذ آلاف السنين.
إذن، إذا أردنا أن نعود إلى المعنى الأصيل للكلمة، فالمسلم المصري قبطي، والمسيحي المصري قبطي.
نحن جميعًا أقباط لأننا جميعًا مصريون.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لا أريد أن أقول “عنصري الأمة”
لأن مصر ليست جزأين يحتاج أحدهما إلى الآخر كي تكتمل الصورة. مصر ليست نصفين. ليست مسلمين في ناحية ومسيحيين في الناحية الأخرى. وليست “عنصرين” يتعايشان في وطن واحد.
نحن شعب واحد، تشكل عبر آلاف السنين، وعاش فوق هذه الأرض نفسها، وشرب من النيل نفسه، وأكل من خبزها نفسه، ودافع عن ترابها نفسه.
قد تختلف عقائدنا، وقد تختلف طقوس عبادتنا، وقد تختلف طريقة تعبيرنا عن إيماننا…
لكن الوطن لا يسألنا عن عقيدتنا عندما يحتاج إلى أيدينا.
عندما تنادي مصر أبناءها، لا تقول:
أين المسلمون؟
وأين المسيحيون؟
بل تقول: أين المصريون؟
وهذا هو السؤال الذي يجب أن نجيب عنه جميعًا.
ولا أحب كلمة “الآخر“
هناك كلمة أخرى أتحفظ عليها كثيرًا: الآخر.
الآخر؟
من هو الآخر؟
هل جاري الذي تربيت معه “آخر”؟
هل زميلي في العمل “آخر”؟
هل الطبيب الذي يعالجني “آخر”؟
هل المدرس الذي علمني “آخر”؟
هل الجندي الذي يقف بجواري في الدفاع عن الوطن “آخر”؟
هل المصري الذي يختلف معي في طريقة الصلاة أصبح “آخر”؟
لا.
الآخر هو من جاء من خارج الوطن، أما ابن الوطن فليس آخرًا مهما اختلفت عقيدته أو أفكاره أو ثقافته.
نحن أبناء بيت واحد.
وقد يختلف أهل البيت، وقد يتشاجرون، وقد يختلفون في الرأي، لكنهم يظلون أهل البيت.
مصر لم تكن يومًا وطنًا طائفيًا
مصر أقدم من كل محاولات تقسيمها.
قبل أن نعرف مصطلحات الطوائف والجماعات، كانت هناك مصر.
وقبل أن نضع أسماءً على الاختلافات، كان هناك المصري الذي يزرع الأرض، ويبني، ويصنع، ويعلم، ويقاتل، ويحب، ويحلم.
المصري القديم لم يبنِ حضارته لأنه كان يبحث عن “الآخر”.
بناها لأنه كان يعرف معنى الانتماء.
ثم جاءت قرون طويلة، وتغيرت اللغات والديانات والحكام، لكن بقيت هناك حقيقة واحدة:
مصر تعرف كيف تحتفظ بأبنائها رغم اختلافهم.
وهذه ربما واحدة من أعظم معجزات هذا الوطن.
نحن لا نحتاج إلى الوحدة لأننا مختلفون بل نحتاج إليها لأننا مصريون.
وهذه نقطة مهمة جدًا.
أحيانًا نتحدث عن الوحدة الوطنية وكأنها مشروع مصالحة بين طرفين.
وكأن هناك خصومة أبدية بين مجموعتين ونحتاج إلى أن نقنعهما بالتعايش.
أنا أرى الأمر بصورة مختلفة.
الوحدة الوطنية ليست أن نقول للمصري المسلم: “تعايش مع المسيحي.”
وليست أن نقول للمصري المسيحي: “تعايش مع المسلم.”
بل أن نقول لكليهما: أنتما مصريان قبل أن تبحثا عن أي وصف آخر.
والمصرية ليست بطاقة إضافية نضعها بعد الدين.
المصرية ليست شيئًا ثانويًا.
المصرية هي المساحة الكبرى التي تجمعنا جميعًا.
تخيل مصر بلا كلمة “آخر”
تخيل مدرسة لا يُقال فيها:
“هؤلاء مسلمون، وهؤلاء مسيحيون.”
بل يقال: هؤلاء طلاب مصريون.
تخيل فصلًا يجلس فيه الأطفال معًا، ويتعلمون معًا، ويلعبون معًا، ويتنافسون في العلم والرياضة والفن، دون أن يشعر طفل أن زميله ينتمي إلى وطن مختلف.
تخيل إعلامًا لا يستخدم الاختلاف الديني كعنوان مثير.
وتخيل مسؤولًا لا يرى أمامه إلا المواطن.
وتخيل موظفًا لا يسأل عن دين صاحب الطلب قبل أن يسأله عن حقه.
وتخيل مجتمعًا لا يحتاج فيه الإنسان إلى أن يثبت أنه “وطني” لأنه ينتمي إلى دين معين.
هنا فقط تصبح المواطنة حقيقة، وليست شعارًا.
الوحدة الوطنية لا تعني أن نتشابه
وهذه من أكبر الأخطاء.
الوحدة لا تعني أن نكون نسخة واحدة.
الوحدة الحقيقية لا تلغي الاختلاف، وإنما تمنع الاختلاف من أن يتحول إلى كراهية.
أنا لا أحتاج أن تكون مثلي حتى أحبك.
ولا أحتاج أن تؤمن بما أؤمن به حتى أحترمك.
ولا تحتاج أن تتخلى عن هويتك حتى تكون مصريًا كامل الحقوق.

اختلافنا لا يهدد مصر.الذي يهدد مصر هو أن نحول الاختلاف إلى خصومة.
وهناك فرق هائل بين أن تقول:
“نحن مختلفون.”
وأن تقول:
“أنت مختلف عني، ولذلك أنت لست مني.”
الأولى حضارة.
والثانية بداية انهيار المجتمع.
مصر أكبر من أن تُختصر في طائفة
مصر ليست مسلمًا فقط.
وليست مسيحيًا فقط.
مصر هي كل هؤلاء معًا.
هي الفلاح والعامل والطبيب والمدرس والمهندس والجندي والطالب.
هي المسلم والمسيحي.
هي من يصلي في المسجد، ومن يصلي في الكنيسة، ومن يخدم وطنه بإخلاص.
هي ملايين البشر الذين قد تختلف تفاصيل حياتهم، لكنهم يشتركون في شيء عظيم: أن هذه الأرض وطنهم.
ولهذا، فأنا لا أحب أن أقول: عنصرا الأمة.
ولا أحب أن أقول: المسلمون والأقباط.
ولا أحب أن أقول:
نحن والآخر.
أفضل أن أقول ببساطة:
نحن المصريون.
فهي العبارة التي لا تستثني أحدًا.
قبطي… كلمة يجب أن نستعيد معناها
ربما آن الأوان أن نتأمل الكلمة من جديد.
قبطي = مصري.
وحين أقول “قبطي”، فأنا لا أبحث عن فاصل بين المصريين، بل أبحث عن جذر يجمعهم.
فالمصرية ليست دينًا.
وليست طائفة.
وليست مذهبًا.
إنها هوية وطنية جامعة.
ومن هنا، فإن أجمل ما يمكن أن نقوله في زمن كثرت فيه محاولات التصنيف والتقسيم:
أنا مصري… وأنت مصري.
أنا قبطي… وأنت قبطي.
قد نختلف في العقيدة، لكننا لا نختلف في الوطن.
وفي النهاية، عندما تشرق الشمس فوق النيل، لا تسأل:
من هذا مسلم؟
ومن هذا مسيحي؟
الشمس واحدة.
والنيل واحد.
والأرض واحدة.
والسماء فوقنا واحدة.
فلماذا نصرّ نحن على أن نصنع “آخر” من أخينا في الوطن؟
ربما تكون مصر في أشد الاحتياج اليوم إلى أن نعود إلى أبسط حقيقة:
قبل أن تكون مختلفًا عني… أنت مصري مثلي.
وهذا وحده يكفي لكي تكون بيننا مساحة لا يستطيع أحد أن يهدمها.
مصر لا تحتاج إلى أن يتشابه أبناؤها…
مصر تحتاج فقط أن يتذكر أبناؤها أنهم أبناء وطن واحد.