
حين يصبح التعليم تجارة : “السناتر… عندما تصبح صناعة التعليم مهنة من لا مهنة له”
حين يصبح التعليم تجارة : “السناتر… عندما تصبح صناعة التعليم مهنة من لا مهنة له”
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
لم يعد الطالب في بعض البيئات التعليمية يعرف أين تنتهي المدرسة وأين يبدأ «السنتر».
يدخل المدرسة صباحًا، ثم ينتقل بعد الظهر إلى مركز الدروس، وفي المساء إلى مدرس خاص، وبين هذا وذاك تتنقل الأسرة بين مجموعات التواصل، ومواعيد الحجز، وأسعار الحصص، ووعود من نوع: «هنا هنضمن لك الدرجة».
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.
*هل نحن أمام تعليم؟ أم أمام صناعة جديدة اسمها صناعة الدرجات؟*
لقد ظهرت مراكز الدروس في الأصل لسد فجوة، أو لتقديم دعم تعليمي للطالب الذي يحتاج إلى شرح إضافي. وهذه وظيفة يمكن تفهمها في حدودها الطبيعية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والمساندة إلى بديل، والدرس الإضافي إلى نظام تعليمي موازٍ.
عندها لا يعود السؤال: كيف يتعلم الطالب؟
بل يصبح: كم سيدفع؟ ومن سيعطيه الدرجة؟
من «السنتر» إلى «السوق»
السنتر ليس مجرد غرفة بها سبورة ومقاعد.
في بعض الحالات أصبح منظومة اقتصادية كاملة: اسم تجاري، إعلانات، صفحات إلكترونية، جروبات، مراجعات نهائية، مذكرات، امتحانات تجريبية، حجوزات، باقات، وأحيانًا منافسة شرسة على جذب أكبر عدد من الطلاب.
وبينما كان المعلم في الماضي يبني سمعته من خلال علمه وأخلاقه وأثره في طلابه، أصبحت الشهرة أحيانًا تُبنى على عدد المتابعين، وحجم المجموعة، وقدرة المعلم على صناعة «الترند».
وهنا تظهر مفارقة خطيرة: قد يصبح الأكثر شهرة ليس بالضرورة الأكثر قدرة على التعليم، بل الأكثر قدرة على التسويق لنفسه.
وهذه ليست مشكلة مدرس بعينه.
إنها مشكلة نظام يسمح بأن تتحول الحاجة التعليمية إلى سوق مفتوح.
التعليم أصبح صناعة من ليس له صناعة!
ربما تبدو العبارة قاسية، لكنها تستحق التأمل.
فحين يصبح التعليم مصدرًا سريعًا للدخل دون معايير مهنية واضحة، ودون مساءلة حقيقية عن جودة ما يقدم، ودون تمييز بين المعلم الحقيقي وبين من يجيد تقديم نفسه باعتباره خبيرًا؛ فإن التعليم يصبح بالفعل مجالًا يجذب كل من يبحث عن صناعة مربحة.
صناعة من ليس له صناعة.
لكن الأخطر أن السلعة هنا ليست هاتفًا ولا ملابس ولا وجبة طعام.
السلعة هي عقل طفل ومستقبله.
وهذا ما يجعل الأمر مختلفًا تمامًا.
الطالب يتحول إلى «عميل»
في التعليم الحقيقي، الطالب متعلم.
أما في السوق التعليمي، فقد يتحول إلى عميل.
والعميل يريد ما يرضيه.
يريد مذكرة سهلة.
يريد امتحانًا متوقعًا.
يريد إجابة جاهزة.
يريد أن يعرف «ما الذي سيأتي؟».
يريد الدرجة بأقل مجهود.
وهكذا يبدأ التعليم في الانزلاق من سؤال:
«ماذا تعلمت؟»
إلى سؤال:
«كم درجة حصلت عليها؟»
وهذه هي اللحظة التي نخسر فيها جوهر العملية التعليمية.
فالدرجة نتيجة، وليست تعليمًا.
والحفظ وسيلة في بعض السياقات، لكنه ليس عقلًا.
وحل نموذج الامتحان ليس بالضرورة قدرة على حل مشكلة في الحياة.

والمدرسة؟!
السؤال الأصعب ليس: لماذا انتشرت السناتر؟
بل: لماذا احتاج إليها الناس بهذا الحجم؟
فالسنتر لا ينمو في فراغ.
إنه ينمو عندما يشعر الطالب أن المدرسة لا تكفيه.
وعندما تشعر الأسرة أن مستقبل ابنها يحتاج إلى إنفاق إضافي. وعندما يعتقد المجتمع أن الحصول على الدرجة يحتاج إلى «مكان آخر» غير المدرسة.
وهنا لا يجوز أن نلقي كل اللوم على الطالب أو ولي الأمر أو المعلم.
علينا أن نسأل بصدق:
ماذا حدث للمدرسة حتى أصبحت بعض الأسر ترى أن التعليم الحقيقي يبدأ بعد انتهاء اليوم الدراسي؟
هذا السؤال أكثر أهمية من مهاجمة السناتر نفسها.
لا تحاربوا السناتر… أصلحوا أسباب وجودها
قد يكون من السهل إصدار القرارات والمنع والرقابة.
لكن التعليم لا يُصلح بالمنع وحده.
إذا كان الطالب يحتاج إلى شرح إضافي، فليكن هناك دعم تعليمي حقيقي داخل المدرسة.
إذا كان هناك تفاوت بين الطلاب، فلتوجد برامج علاجية وإثرائية.
إذا كان المعلم يحتاج إلى دخل أفضل، فليكن هناك نظام مهني عادل يحفظ كرامته ويقلل دوافع البحث عن مصادر دخل خارج المدرسة.
وإذا كان الامتحان يدفع الجميع إلى الحفظ والتلقين، فعلينا أن نراجع فلسفة التقييم نفسها.
لأنك لا تستطيع أن تغلق سوقًا دون أن تقدم للناس بديلًا أفضل.
المشكلة ليست في السنتر… بل في أن يصبح السنتر هو المدرسة
هناك فرق كبير بين أن يكون مركز الدروس *مكمّلًا للتعليم، وأن يصبح *بديلًا عنه.
الأول يمكن تنظيمه وضبطه والاستفادة منه.
أما الثاني فهو مؤشر على خلل عميق.
فالمدرسة يجب أن تكون المكان الذي يتعلم فيه الطالب التفكير، والحوار، والعمل الجماعي، والبحث، والممارسة، واكتشاف الموهبة، وبناء الشخصية.
أما إذا أصبحت وظيفتها الأساسية هي تسجيل الحضور وانتظار الامتحان، بينما يتم «التعليم الحقيقي» في مكان آخر، فنحن أمام سؤال أكبر من موضوع السناتر.
نحن أمام سؤال عن معنى المدرسة نفسها.
أخطر ما في الظاهرة
الخطر الحقيقي ليس أن يدفع ولي الأمر مبلغًا إضافيًا.
الخطر أن يتعلم الطفل منذ صغره أن:
كل شيء له سعر… حتى المعرفة.
وأن النجاح لا يأتي من الاجتهاد، وإنما من شراء الخدمة المناسبة. وأن المعلم ليس صاحب رسالة، بل مقدم خدمة.
وأن المدرسة ليست بيتًا للتعلم، بل محطة إجبارية قبل الذهاب إلى المكان الذي «يشرح بجد».
هذه الرسائل أخطر من أي مبلغ يدفعه ولي الأمر.
ولي هنا كلمة…
نحن لا نحتاج إلى حرب على السناتر.
نحتاج إلى إعادة بناء الثقة في المدرسة.
نحتاج إلى معلم يشعر بقيمته.
ومناهج تستحق أن تُدرّس.
وامتحانات تقيس الفهم لا القدرة على التنبؤ.
وإدارة تعليمية تراقب الجودة لا مجرد الحضور والانصراف.
وأسرة تعرف أن التربية ليست شراء مجموعة دروس.
والأهم من ذلك كله:
نحتاج إلى أن نتذكر أن التعليم ليس سلعة.
فحين يتحول التعليم إلى سوق، يصبح الطالب زبونًا.
وحين يصبح الطالب زبونًا، تصبح الدرجة هي المنتج.
وحين تصبح الدرجة هي المنتج، يصبح السؤال عن الإنسان الذي خرج من المدرسة سؤالًا مؤجلًا.
وهنا تكون الكارثة.
لأن أخطر صناعة يمكن أن يمارسها من لا مهنة له…
هي صناعة مستقبل أبنائنا.