البكالوريا المصرية تدخل مرحلة الجد… الوزير يغيّر «شكل السؤال» فهل تتغير معه عقلية التعليم؟

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

50% بابل شيت… و50% مقالي!

امتحان متعدد الفرص… تقييم أكثر عدالة… وحضور لا غنى عنه!

ربما تبدو هذه القرارات للوهلة الأولى مجرد تفاصيل فنية في نظام امتحاني جديد.

لكن من يتأملها جيدًا سيكتشف أنها تحمل رسالة أكبر بكثير:

وزارة التربية والتعليم لا تريد فقط أن تغيّر نظام الثانوية… بل تريد أن تغيّر الطريقة التي يتعلم بها الطالب، والطريقة التي نقيس بها تعلمه.

وهنا تحديدًا تبدأ أهمية ما أعلنه وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف في مؤتمره الصحفي الأخير بشأن آليات البكالوريا المصرية ونظام الامتحانات. فقد تم الإعلان عن أن امتحانات الصفين الثاني والثالث في البكالوريا المصرية، بداية من العام الدراسي 2026/2027، ستكون بنسبة 50% أسئلة اختيار من متعدد و50% أسئلة مقالية وهو الاتجاه نفسه الذي سيطبق على امتحانات الثانوية العامة.

وهذا ليس مجرد تغيير في شكل الورقة. إنه تغيير في فلسفة القياس نفسها.

لماذا 50% بابل شيت و50% مقالي؟

البابل شيت له مزاياه.

فهو يساعد على توحيد التصحيح، ويقلل مساحة التدخل البشري في الأسئلة الموضوعية، ويتيح قياس عدد كبير من المعارف والمهارات خلال زمن محدد.

لكن السؤال الموضوعي وحده لا يستطيع أن يخبرنا بكل شيء عن الطالب.

قد نعرف من خلاله أن الطالب اختار الإجابة الصحيحة.

لكن هل يستطيع أن يفسر؟

هل يستطيع أن يحلل؟

هل يستطيع أن يبني حجة؟

هل يستطيع أن يعبر عن فكرة بلغة سليمة؟

هنا يأتي السؤال المقالي.

فالعودة الجزئية إلى المقال ليست عودة إلى امتحانات الحفظ القديمة، وإنما يمكن أن تكون فرصة لقياس جوانب لا يستطيع الاختيار من متعدد قياسها بالدرجة نفسها.

ولهذا فإن الجمع بين الاثنين قد يكون أكثر توازنًا: الاختيار من متعدد يقيس جانبًا… والمقالي يكشف جانبًا آخر.

والطالب الذي يريد أن ينجح في النظام الجديد لن يكفيه أن يتعلم «كيف يختار الإجابة».

سيكون عليه أن يتعلم كيف *يفكر ويكتب ويبرر.

وهذه في حد ذاتها رسالة تربوية مهمة.

انتهى زمن «الفرصة الواحدة»؟

هذه واحدة من أهم الأفكار التي قامت عليها البكالوريا المصرية منذ طرحها.

فالوزير تحدث منذ البداية عن مشكلة نظام الثانوية العامة التقليدي الذي يجعل امتحانًا واحدًا قادرًا على تحديد مستقبل الطالب، بينما يقوم نظام البكالوريا على فرص متعددة للتحسين والتعامل مع الامتحان باعتباره جزءًا من مسار تعليمي وليس حكمًا نهائيًا على مستقبل الإنسان.

وهنا يجب أن نتوقف. 

الطالب ليس درجة.

والإنسان لا يمكن اختزاله في ثلاث ساعات امتحان.

قد يخطئ الطالب.

قد يتوتر.

قد لا يوفق في يوم معين.

وقد يكون قادرًا على أداء أفضل إذا حصل على فرصة أخرى.

فلماذا نحول خطأً واحدًا إلى حكم أبدي؟

فلسفة تعدد الفرص تقول للطالب: تعلم من خطئك… وحاول مرة أخرى.

وهذه ليست فلسفة امتحان فقط.

إنها فلسفة حياة.

لكن تعدد الفرص لا يعني تعدد فرص الإهمال

وهنا نقطة مهمة جدًا.

الفرصة الثانية يجب ألا تتحول إلى ثقافة:

«لا داعي للمذاكرة الآن… سأعيد الامتحان».

لذلك فإن النظام يحتاج إلى طالب أكثر مسؤولية، لا طالبًا أقل مسؤولية.

فالفرصة الإضافية يجب أن تكون فرصة للتحسين، وليست بديلًا عن الاجتهاد.

وهنا يأتي دور المدرسة والمعلم والأسرة في بناء ثقافة جديدة تقول للطالب: الفرصة الثانية ليست هدية… إنها فرصة ثانية لمن يريد أن يتحسن.

IMG 20260819 WA0249

والحضور… الحلقة التي لا يجوز أن تنفصل عن البكالوريا

وهنا نصل إلى ملف ربما يكون أهم من الامتحان نفسه: الغياب.

لقد بذل الوزير خلال الفترة الماضية جهدًا واضحًا في ملف انتظام الطلاب داخل المدارس، وارتبط ذلك بفكرة أساسية: لا يمكن أن نتحدث عن تطوير التعليم بينما الطالب لا يتلقى تعليمه الحقيقي داخل المدرسة.

فالوزارة أكدت خلال متابعاتها الميدانية أهمية رصد الحضور والغياب، وإعطاء الطلاب حقوقهم في التقييمات، وربط الانتظام والمشاركة الفعالة بتحسين التحصيل.

وهنا يجب أن نقولها بوضوح: لا توجد مدرسة قوية بدون طالب حاضر.

ولا يوجد معلم يستطيع أن يصنع تعلمًا حقيقيًا أمام مقاعد فارغة.

ولا يمكن أن تكون المدرسة هي المكان الذي يذهب إليه الطالب فقط للحصول على كشف الدرجات أو أداء الامتحان.

المدرسة يجب أن تعود إلى مكانتها الطبيعية: المكان الذي يحدث فيه التعلم.

ولكن… حضور الطالب وحده لا يكفي

هذه نقطة يجب أن نكون صريحين فيها.

لا نريد أن يتحول الحضور إلى مجرد «بصمة».

ليس الهدف أن يدخل الطالب المدرسة ثم يجلس بلا تعلم.

الهدف أن يصبح حضور الطالب ذا قيمة.

أن يجد معلمًا قادرًا.

وشرحًا جيدًا.

وتفاعلًا داخل الفصل.

وأنشطة.

وتقييمًا حقيقيًا.

وبيئة مدرسية تجعله يشعر أن الوقت الذي يقضيه في المدرسة ليس وقتًا ضائعًا.

وهنا يصبح التعامل مع الغياب أكثر من مجرد إجراء إداري. إنه جزء من مشروع استعادة المدرسة لدورها.

البكالوريا تضرب في أكثر من اتجاه

عندما نجمع الصورة كاملة سنجد أن المبادرة تتحرك في أكثر من اتجاه:

تغيير شكل الامتحان.

تطوير التقييم.

إتاحة فرص متعددة.

تقليل ضغط الفرصة الواحدة.

إعادة الاعتبار للحضور والانضباط.

إعادة الطالب إلى المدرسة.

وهنا يصبح من الظلم أن نحاكم البكالوريا المصرية فقط بسؤال: «هل الامتحان سيكون بابل شيت أم مقالي؟»

فالسؤال الحقيقي: ما نوع الطالب الذي نريد أن تخرجه البكالوريا؟

والقرار الجديد يحمل رسالة أخرى للسناتر

إذا كان نصف الامتحان مقاليًا ونصفه اختيارًا من متعدد، وإذا كان النظام يعتمد على فهم الطالب وقدرته على التفكير والتعبير، فإن الطالب سيحتاج إلى شيء مختلف عن مجرد «مراجعة ليلة الامتحان».

سيحتاج إلى تعلم حقيقي.

وهذا يعني أن المدرسة يجب أن تكون في قلب المعادلة.

فالسنتر يستطيع أن يشرح.

لكن المدرسة يجب أن تعلم الطالب *كيف يتعلم.

والسنتر قد يساعد في حل الأسئلة.

لكن المدرسة يجب أن تساعد الطالب على بناء الشخصية والمهارات.

ولهذا فإن معركة البكالوريا الحقيقية ليست ضد السنتر في حد ذاته.

المعركة الحقيقية هي أن تصبح المدرسة أقوى من الحاجة إلى السنتر.

وهنا يظهر دور المعلم

لا يمكن أن نطلب من المعلم أن يدرّب الطالب على التفكير والتحليل والكتابة، بينما لا نوفر له التدريب الكافي على أساليب التقويم الجديدة.

ولا يمكن أن نطلب منه تصحيح الأسئلة المقالية دون معايير دقيقة وروبريكات واضحة وتدريب يضمن العدالة والموضوعية.

فالعودة إلى المقال يجب ألا تعني عودة إلى مشكلة «المصحح ومزاجه».

إذا أردنا امتحانًا عادلًا، فيجب أن يكون هناك:

مواصفات دقيقة للورقة.

معايير واضحة للتصحيح.

نماذج إجابة وضوابط موحدة.

تدريب جيد للمصححين.

آليات تظلم فعالة.

لأن العدالة في الامتحان لا تبدأ عند التصحيح فقط. العدالة تبدأ من لحظة كتابة السؤال.

الوزير أمام فرصة كبيرة

أعتقد أن وزير التربية والتعليم أمام فرصة مهمة جدًا.فقد أصبح لدينا الآن نظام يحاول الخروج من «رعب الفرصة الواحدة»، ونظام امتحاني يجمع بين الموضوعي والمقالي، ومحاولة لإعادة الانضباط والحضور إلى المدرسة.

لكن النجاح لن يكون في القرار. النجاح سيكون في التنفيذ.

وهذه هي أصعب مرحلة.

لأن التعليم لا يتغير بالقرارات وحدها.

التعليم يتغير عندما يصل القرار إلى الفصل. عندما يفهمه المدير. وعندما يتدرب عليه المعلم. وعندما يعرف الطالب ما المطلوب منه. وعندما يطمئن ولي الأمر إلى أن النظام واضح وعادل ومستقر.

كلمة للوزير

أقول للوزير: *أنت الآن لا تغير امتحانًا فقط… أنت تحاول تغيير ثقافة تعليمية عمرها عقود.*

وهذا ليس سهلًا. لذلك لا تجعل نجاح البكالوريا مرتبطًا فقط بعدد الطلاب الذين اجتازوا الامتحان.

قِس نجاحها بما هو أهم:

هل أصبح الطالب يفكر أكثر؟

هل أصبح يقرأ أكثر؟

هل أصبح يكتب أفضل؟

هل أصبح يذهب إلى المدرسة لأنه يريد أن يتعلم؟

هل تراجع اعتماد الأسرة على الدروس الخصوصية؟

هل أصبح المعلم أكثر قدرة على التدريس والتقييم؟

هل أصبحت الامتحانات أكثر عدالة؟

إذا كانت الإجابة «نعم»…

فقد بدأنا بالفعل في تغيير التعليم.

وأخيرًا…

قد نختلف حول بعض التفاصيل.

وقد نخشى من بعض النتائج.

وقد تكون هناك قرارات تحتاج إلى مراجعة أثناء التطبيق.

وهذا طبيعي.

لكن علينا أن نفرق بين *النقد الذي يريد إصلاح التجربة*، والرفض الذي يخاف من أي تغيير.

البكالوريا المصرية تستحق أن تُمنح فرصة حقيقية.

لكنها تستحق أيضًا أن تُراقب بعين تربوية وعلمية دقيقة.

فالتعليم ليس مجالًا للتجربة العشوائية.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن نطلب إصلاح التعليم ثم نرفض كل محاولة لتغييره.

لقد بدأ الوزير بتغيير شكل الامتحان.

والسؤال الآن: هل نستطيع أن نغيّر ما وراء الامتحان؟

هل نستطيع أن ننتقل من طالب يحفظ الإجابة إلى طالب يفهمها؟

ومن طالب يخاف من الامتحان إلى طالب يتعلم منه؟

ومن مدرسة ينتظم فيها الحضور خوفًا من الغياب إلى مدرسة ينتظم فيها الطالب لأنه يجد فيها قيمة حقيقية؟

إذا حدث ذلك…

فإن البكالوريا المصرية لن تكون مجرد شهادة جديدة.

بل ستكون بداية حقيقية لجملة ربما تأخرنا كثيرًا في تحقيقها:

أن يتعلم أبناؤنا من أجل الحياة… لا من أجل الامتحان فقط.

والآن يبدأ الاختبار الحقيقي… ليس للطلاب وحدهم، وإنما للنظام كله.

زر الذهاب إلى الأعلى