لقبه الإعلاميون بـ “منشد العرب” و”منشد مكة” و”منشد المدينة”

د. أحمد عبده : الموهبة وحدها لا تكفي.. بل تحتاج إلى علم يغذيها ووجدان يحركها

 في زمن اختلطت فيه الأصوات، وتناثرت الكلمات بلا وزن، وتصارعت النغمات بين صدق المشاعر وزيف التقليد، يظل صوت واحد قادراً على اختراق القلوب قبل الآذان، يخرج من قلب مؤمن، ويرتقي بكلمات مستمدة من ضياء القرآن، إنه الدكتور أحمد أحمد عبده، عضو هيئة التدريس بكلية الدراسات العليا قسم مقارنة الأديان جامعة الزقازيق، صاحب الصوت الذي يستوقفك قبل أن ينشد، والكلمة التي تبكي قبل أن تسمعها.

 تمكنه اللغوي، وحفظه لكتاب الله، وإمامته للمصلين في بيوت الله، وخطابته بوزارة الأوقاف، كلها صنعت منه منشداً مختلفاً، يرتقي بالإنشاد إلى مرتبة الرسالة، فلا ينشد كلمات لا يحسها، ولا يؤدي دوراً لا يعيشه. لهذا لقبه الإعلاميون بـ “منشد العرب”، و”منشد مكة”، و”منشد المدينة”، ليس لإتقانه الصوت فحسب، بل لصدق إحساسه، ولتمكنه من اختيار كلماته التي تخرج من روحه قبل فمه، فتكاد تبكي حين ينشدها، وتكاد تسكن في القلوب قبل أن تغادر شفتيه.

في هذا الحوار، نغوص معه في أعماق الإنشاد الديني، ونستكشف الفرق بين من يغني ومن يرسل رسالة، بين من يقلد ومن يبتكر، بين من يؤدي صوتاً ومن يحمل قضية. نحدثه عن الكلمة التي تخلد، والموهبة التي تصنع الفارق، والجمهور الذي يتعطش للجديد في زمن الإسفاف اللفظي، وعن الدور الذي يلعبه الإنشاد الديني في نشر القيم الروحية في زمن اختلطت فيه الأصوات وغابت فيه الروحانيات.

 

بداية.. كيف بدأت رحلتك مع الإنشاد الديني؟

الحمد لله أن الله وهبني موهبة الصوت الجميل، لكن الموهبة وحدها لا تكفي، فالله كان في عوني بحفظي لكلمات القرآن الكريم، وإمامتي للمصلين في صلاة القيام والتراويح بأكبر المساجد، وعملي كخطيب مكافأة بوزارة الأوقاف. كل هذا شكل وجداني، وصقل ذائقتي، وجعلني انتقي كلماتي بعناية، فلا أنشد إلا كلاماً أشعر بصداه في قلبي قبل أن يسمعه الناس. قيل لي يوماً إن كلماتك تبكي حين تنشد، فقلت: لأنني أحس الكلمة، ولست مؤدياً مأجوراً، ولا مقلداً ممقوتاً، فالتقليد إفلاس، والإحساس هو جوهر الإنشاد.

 

الإنشاد الديني.. فن أم رسالة؟

الإنشاد الديني ليس مجرد صوت جميل، بل هو سفير للحب الإلهي، ومدح لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإبراز لمناقب صحابته الكرام، وآل بيته الأطهار، والتابعين، والصالحين الذين عطروا الدنيا بجميل حياتهم وصفاتهم. والإنشاد الذي ينبع من الوجدان والإحساس، والقائم على الموهبة الفكرية الخالية من التقليد الممقوت، له وقع في النفوس، ولذة في الصدور، وهو خطاب روحي يخاطب الفطرة السليمة، والقلب الرقيق الذي هيأه ربه لذلك.

وما الفرق بين الإنشاد الحقيقي والتقليد؟

التقليد إفلاس، والإبداع هو البقاء. أنا لا أقلد أحداً، ولا أنشد كلمات لا أحسها. عندما أنشد، أشعر بمعنى كل كلمة، وأعيشها، وأتفاعل معها، فتنفعل معي القلوب. هذا هو الفارق بين من يؤدي صوتاً، ومن يرسل رسالة. كثيرون يقلدون، لكن القلوب لا تخدع، فالجمهور يعرف الصادق من غيره، ويعرف من يعيش الكلمة ممن يتلوها فقط.

كيف تختار كلماتك؟

أنا أحرص على انتقاء الشعراء الذين يكتبون لي، وأشترط أن يكون الشعر مستمداً من آيات القرآن الكريم، لا مجرد كلام ينساه الناس، لأن الكلمة المستمدة من كتاب الله لها بركة وخلود. مثلاً، في حادثة تحويل القبلة، طلبت من الشاعر أن تكون الكلمات مستمدة من كتاب الله، فقال:”لما أمرت أن تولي وجهك للمسجد الأقصى خفضت جباها

عند الصلاة جاءك أمر السما كيما تحول قبلة وتجاها

قلبت وجهك أحمد صوب المدي ولاك ربك قبلة ترضاها

أين تولي الوجه عند المسجد ما أنت إلا قد قصدت الله”

هذا كلام جميل، جديد، لن تسمعه إلا من منشد حباه الله علماً، ووظيفة مرموقة كونه عضواً بهيئة التدريس بالجامعة.

ما دور الإنشاد في نشر القيم الروحية اليوم؟

الإنشاد اليوم أكثر حاجة مما مضى، لأن الأصوات تزاحمت، والكلمات أصبحت مبتذلة في كثير من الأحيان. الجمهور يتعطش للجديد غير التقليدي، للمؤثر، للصادق، للكلمة التي تلامس روحه. الإنشاد الديني إذا كان متعدد الأغراض ومتجدداً، يخاطب القلوب بكلام دعوي مؤثر، عن الذات العلية، وعن مآثر آل البيت والصالحين، وعن الأم، وعن المناسبات الدينية، ويراعي التجديد وجمال الصوت والمظهر الحسن، فإنه يكون نافذة للروحانية في زمن المادة.

وما سر الإقبال الجماهيري عليك؟

الجمهور لا يقبل إلا على ما هو جذاب، مؤثر، جديد، غير تقليدي، ويلفت انتباهه، خاصة في وجود موجة من الإسفاف اللفظي. فإذا وجد الجديد تأثر وانفعل وأقبل. وأنا بفضل الله، حريص على مواكبة العصر كلاماً ولباساً، علاوة على الموهبة التي أنعم الله بها عليّ. وكوني من مؤسسي فريق الشرقية للإنشاد الديني، وهو فرقة حكومية تابعة لوزارة الثقافة، تجوب العالم، وبها أفضل منشدي مصر، بقيادة المايسترو الأستاذ أحمد صاتح، أرى تفاعلاً كبيراً بيني وبين الجماهير سواء في المساجد أو الاحتفالات العامة.

وما علاقتك بمسابقات الإنشاد؟

الحمد لله أنني عضو بلجنة تحكيم مسابقة بورسعيد الدولية، التي يرعاها مجلس الوزراء المصري وبعض الوزارات الأخرى، وهي نافذة لإعطاء نصائحي للنشء الجديد من القراء والمبتهلين. وأنا أقدم عضو باللجنة، وهذه المسابقة تورد للعالم حفظة مهرة يشاركون في المسابقات الدولية ويحصدون المراكز الأولى على مستوى العالم. كما أنني عضو لجنة التحكيم بمسابقة وزارة الشباب والرياضة بمديرية الشباب والرياضة بمحافظة الشرقية للإنشاد والإبتهال الديني والترانيم الكنسية.

كلمة أخيرة لمن يريد أن يسلك طريق الإنشاد؟

أقول لكل شاب يريد أن يكون منشداً: أحب الله ورسوله، واقرأ القرآن وتدبره، واخلص في عملك، ولا تقلد أحداً، وابحث عن ذاتك، واهتم بمظهرك وكلماتك، وتذكر أنك تحمل رسالة، لا مجرد صوت. وإذا أحسست الكلمة، ستجد أن القلوب تفتح لك أبوابها. وأذكرهم دائماً: التقليد إفلاس، والإبداع هو البقاء، والموهبة الحقيقية هي التي تصنع الفارق.

 

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى