
لم أنا رقيق القلب؟!
بقلم: د. أحمد أحمد عبده – قسم مقارنة الأديان – جامعة الزقازيق
كنت أقابل عيوناً تبكي عند سماع آيات القرآن والرقائق، وتتأثر طمعاً في جنة الرحمن وخوفاً من عقاب الواحد القهار، أعيش معهم هذه اللحظات المباركات، فالحمد لله أعد نفسي منهم وأرجو أن أكون كذلك، ولا سيما أن العيون الهطالة بالدمع ترى على وجوه أصحابها بشراً واستبشاراً ونوراً وراحة، وكأنها تقول لخالقها الرحيم: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. ودائماً أصحاب القلوب الرقيقة والعيون الدامعة تكسوهم المهابة ويعلوهم الوقار، وكأن الله بيض وجوههم في الدنيا تمهيداً لأن يستجيب بأمره لدعائهم أن يبيضها في الآخرة أيضاً، وأن يحرم أجسادهم ومواطن بكائهم على النيران.
ورقة القلب والعين الدامعة لم يكونا يوماً ضعفاً في شخصية العبد، فأصحاب هذه الرقة وهذه الدموع حباهم الله فطرة سوية للإحساس بالآخرين من عباد الله، لأنهم ذاقوا خلاوة البكاء لله وفي الله، ويالها من نعمة عظيمة وسجية كريمة. فهذه صفات نبيلة تحمل في طياتها العطاء في أبهى صوره والتسامح في أسمى معانيه. ولكن لماذا ينظر بعض قساة القلوب الذين قحطت أعينهم إلى رفيقي القلوب نظرة سلبية مغايرة؟! والجواب: لأن الله حرمهم لذة البكاء من خشيته ولذة هذه الرقة التي تريح النفس والبال، وكأن تساقط الدمع يجلو النفس من الكدرات وينظفها من الهموم ويريحها ويجعلها مطمئنة.
وتجد هؤلاء القساة في الدنيا لا أنيس لهم ولا صاحب إلا من هم على شاكلتهم. ولنا في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الوجه الأنور والجبيب الأزهر القدوة الحسنة في حبه لأصحابه وترفقه بهم، وبكى لما رأى ما يصيبهم من المرض والبلاء شفقة بهم، وقلب سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم كان رقيقاً عامراً بالإيمان، فها هو أشرف البشر يبكي عند سماعه القرآن الكريم من سورة النساء من فيه سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وبكى من أجلنا حبيبنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شفقة ورحمة بأمته، فقال له الجليل سبحانه وتعالى: إنا سترضيك في أمتك ولا نسوؤك.
وبكى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما زار قبر أمه وأبكى من حوله، ومواقف بكاء خير البشر كثيرة لسنا بصدد حصرها الآن.. فسلام عليك يا من رقت قلوبنا شوقاً إلى حضرتك وإلى أيامك الطاهرات، فيا ليتني كنت الرفيق أيام المصطفى لأشاهد الأنوار.
ولنا في ترفقه صلى الله عليه وسلم بالحيوانات والجمادات العظة والعبرة، وما قصتي الجمل الذي جاء يشكو ظلم صاحبه والجذع الذي حن وأن بعيد، ولولا أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم احتضن الجذع فسكن لظل يحن إلى يوم القيامة.
وحذر ربنا جل في علاه في سورة الزمر آية ٢٢ قساة القلوب في قوله: ” فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ……” أي فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر الله وأعرضت يعني عن القرآن الذي أنزله الله تعالى مذكراً به عباده، هؤلاء القاسية قلوبهم عن ذكر الله في ضلال مبين.
توعد الله أصحاب هذه القلوب التي لا تلين لذكر الله وكتابه ولا تتأثر بمواعظه بالعذاب الشديد أو واد في جهنم، وهذا ما جاء في تفسير الطبري. ورد في كتاب “الفوائد” لابن القيم عبارة مزلزلة هزت كياني وأتعبت وجداني، هذه العبارة البليغة والتي تصف خطر قسوة القلب فارتعدت فرائصي من شدة تأثير هذه الحكمة المؤثرة لمن كان له قلب يقول: “ما ضرب العبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، خلقت النار لإذابة القلوب القاسية، أبعد القلوب من الله القلب القاسي“.
بالله بالله بالله فليستعذ كل منا من أن يكون له أبناء من الذكور والإناث قست قلوبهم ولم يرثوا رقة القلب من ذويهم. فاللهم ارزق أبناءنا وبناتنا رقة القلب مع حزم في أمور الدنيا دون إفراط أو تفريط. فكلما سألت بنيتي: لم أنا رقيق القلب دامع العينين؟ قالت: تلك نعمة الرحمن أنعمها عليك… والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.