كلمة الرئيس.. خريطة طريق لمرحلة جديدة
بقلم / مصطفى الحداد
ليست كل الكلمات الرئاسية تُقرأ باعتبارها خطابًا في مناسبة رسمية، فبعضها يحمل رسائل تتجاوز حدود الحدث نفسه، وتفتح أبوابًا للتأمل في مسار الدولة وتحدياتها ورؤيتها للمستقبل. وهذا ما بدا واضحًا في كلمة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الإدارية الجديدة، والتي جاءت في توقيت بالغ الحساسية، تزامنًا مع الذكرى الثالثة عشرة لثورة الثلاثين من يونيو، وفي ظل أوضاع إقليمية ودولية معقدة تمر بها المنطقة. لذلك، لم تكن الكلمة مجرد إعلان عن افتتاح صرح استراتيجي جديد، بل تضمنت رسائل سياسية واقتصادية ومجتمعية، ورسمت ملامح المرحلة المقبلة، وهو ما يجعل الوقوف أمام أبرز ما جاء فيها أمرًا يستحق القراءة والتأمل.
من أكثر الرسائل التي استوقفتني في الكلمة حرص الرئيس على استدعاء أحداث عام 2011 وما تلاها، مستحضرًا ما تعرضت له مؤسسات الدولة من ضغوط ومحاولات لإرباكها، مؤكدًا أن إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة ونقل مؤسسات الدولة إليها لم يكن مجرد مشروع عمراني، بل جزء من رؤية تستهدف حماية مؤسسات الدولة وضمان استمرارها في أداء دورها مهما كانت الظروف. ومن وجهة نظري، فإن هذه الرسالة تعكس أهمية التعلم من تجارب الماضي، فالدول التي لا تستفيد من أزماتها تكون أكثر عرضة لتكرارها، بينما يمثل الحفاظ على مؤسسات الدولة واستقرارها حجر الأساس لأي مشروع تنموي أو إصلاحي.
كما حملت الكلمة تأكيدًا على أن ثورة الثلاثين من يونيو لم تكن مجرد محطة سياسية، وإنما لحظة فارقة أعادت للدولة توازنها ومهدت لمعركة طويلة ضد الإرهاب، وهي المعركة التي دفعت خلالها القوات المسلحة والشرطة ثمنًا غاليًا من دماء أبنائهما حتى استعادت مصر أمنها واستقرارها. والتذكير بهذه المرحلة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استدعاءً للماضي، بل باعتباره دعوة لاستخلاص الدروس، وترسيخ الوعي بخطورة المساس بمؤسسات الدولة أو الانجراف نحو الفوضى، خاصة في منطقة ما زالت تعاني بعض دولها من آثار الاضطرابات التي بدأت قبل أكثر من عقد.
وجاءت توجيهات الرئيس المتعلقة بالشأن الداخلي من بين أهم ما ورد في الكلمة، وفي مقدمتها التأكيد على ضرورة فتح قنوات التواصل المباشر بين المسؤولين والمواطنين، وإتاحة المجال أمام حوار إعلامي موضوعي يتسع للرأي والرأي الآخر في إطار من المسؤولية والاحترام. وأرى أن هذه الرسالة تمثل ركيزة أساسية في بناء الثقة بين المواطن والدولة، فالمعلومة الصحيحة والشفافية في عرض الحقائق أصبحتا من أهم أدوات مواجهة الشائعات وتعزيز الوعي العام.
كما توقفت أمام توجيهات الرئيس بشأن تنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والاستعداد لإجراء انتخابات المجالس المحلية. وفي تقديري، فإن هذه التوجيهات تعكس إدراكًا لأهمية توسيع المشاركة السياسية، وإعداد كوادر تمتلك القدرة على تحمل المسؤولية في مختلف مواقع العمل العام. كما أن إجراء انتخابات المحليات سيكون خطوة مهمة نحو تفعيل دور الإدارة المحلية، وتعزيز الرقابة الشعبية، وإشراك المواطنين بصورة أكبر في إدارة شؤون مجتمعاتهم، وهو ما يسهم في تحسين مستوى الخدمات ورفع كفاءة الأداء التنفيذي على المستوى المحلي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، جاءت الكلمة واقعية في تشخيص حجم التحديات التي واجهتها الدولة خلال السنوات الماضية، بداية من تداعيات أحداث 2011، مرورًا بالحرب على الإرهاب، ثم جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى تداعيات الحرب في غزة وتأثيرها على الملاحة في البحر الأحمر وإيرادات قناة السويس. وفي المقابل، حملت الكلمة رؤية للمرحلة المقبلة من خلال الإعلان عن إعداد برنامج اقتصادي وطني عقب انتهاء برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب تعزيز دور القطاع الخاص، ومواصلة مكافحة الفساد، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل. وبرأيي، فإن هذه الملفات تمثل أولويات حقيقية، ويبقى نجاحها مرهونًا بسرعة التنفيذ وتحويلها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
أما على المستوى الإقليمي، فقد جاءت رسائل الرئيس متسقة مع النهج المصري القائم على دعم السلام ورفض التصعيد، مع التأكيد على أن التسوية العادلة للقضية الفلسطينية تظل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط. وفي ظل ما تشهده المنطقة من صراعات متلاحقة، تبدو هذه الرؤية منسجمة مع الدور الذي تضطلع به مصر في دعم الحلول السياسية، والعمل على احتواء الأزمات بما يحفظ أمن المنطقة ويجنب شعوبها المزيد من ويلات الحروب.
كما أن افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة في حد ذاته يحمل رسالة واضحة بأن الدولة مستمرة في تطوير مؤسساتها وقدراتها، بما يتناسب مع طبيعة التحديات الحديثة التي لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية، بل أصبحت تشمل إدارة الأزمات، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية، وسرعة اتخاذ القرار في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وفي النهاية، أرى أن الرسالة الأبرز في كلمة الرئيس كانت التأكيد على أن بناء الدولة لا يتحقق بالمشروعات القومية وحدها، وإنما يقوم أيضًا على ترسيخ مؤسسات قوية، وتعزيز الحوار، وتوسيع المشاركة السياسية، والاستمرار في الإصلاح الاقتصادي، والحفاظ على الأمن القومي. وبين استدعاء دروس الماضي ورسم ملامح المستقبل، جاءت الكلمة لتؤكد أن الجمهورية الجديدة ليست مجرد مرحلة زمنية، بل مشروع وطني متكامل، يتطلب من الجميع مسؤولين ومؤسسات ومواطنين، العمل بروح المسؤولية والإخلاص، حتى تواصل مصر مسيرتها نحو مستقبل أكثر استقرارًا وتنمية.