
الخبير التربوى الدكتور ناصر الجندي يكتب “المدرسة تحترق.. ونحن نُعيد طلاء جدرانها”
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
تخيّل معي هذا المشهد:
طالب في الصف العاشر، يحمل جهاز لوحياً بآخر إصدار، يجلس أمام سبورة ذكية تعرض الدرس بألوان وحركة، وفي جيبه هاتف يختزل علم البشرية كله.. ثم يأتي الامتحان ليسأله: *”عدّد أسباب الثورة الفرنسية.”
توقّف لحظة. هل رأيت المفارقة؟ لم نُغيّر شيئاً حقيقياً. غيّرنا الأثاث، وأبقينا على الروح القديمة تماماً.
“حين نُعلّم السمكة لمن لا يجوع”
كان الحكماء يقولون: *”لا تُعطِ الجائع سمكة، علّمه الصيد.” لكن المدرسة الحديثة تجاوزت هذا بخطوة غريبة — هي تُعلّم الصيد.. في بحيرة جفّت منذ زمن.
المعرفة لم تعد ثروة نادرة يملكها المعلم وحده ويمنحها بالتقطير للطالب. المعرفة اليوم تفيض وتطفح، مجانية، في كل مكان، في متناول كل يد. لكننا ما زلنا نُدرّس كأنها سرٌّ محاط بالأسوار.
السؤال الذي لا أحد يجرؤ على طرحه في غرفة المناهج:
*إذا كان الطالب يستطيع أن يعرف كل شيء في ثوانٍ، فماذا يبقى لنا أن نُعلّمه؟*
“الببغاء الذكي”
أنتجنا جيلاً رائعاً في شيء واحد: إعادة إنتاج المعلومات. يحفظ، يؤدّي، يُجيب، ينجح، يتخرّج، ثم يقف أمام الحياة الحقيقية.. ويتجمّد. لأن الحياة لا تسأل: *”ما عاصمة البرازيل؟”* الحياة تسأل: “كيف تتخذ قراراً في ظل معلومات ناقصة؟” “كيف تُقنع، تُبدع، تُقاوم، تتعافى، تتساءل؟” وهذه الأسئلة لا تجدها في أي كتاب مقرّر.
“الذكاء الاصطناعي.. المرآة التي نخشى النظر فيها”
حين ظهر الذكاء الاصطناعي وبدأ يجتاز الامتحانات، ثار الجميع ونادوا بحظره وملاحقته. لكن لم يسأل أحد السؤال الأهم: إذا كانت الآلة تستطيع اجتياز امتحاناتنا بسهولة، فهل مشكلتنا في الآلة.. أم في الامتحانات؟ الذكاء الاصطناعي لم يكشف ضعفنا، بل كشف ضعف المنظومة. كشف أننا نقيس ما يمكن للآلة تقليده بدلاً من قياس ما يجعلنا بشراً.
الإبداع، التعاطف، التفكير الأخلاقي، بناء المعنى من الفوضى — هذه هي الثروة الحقيقية التي يعجز عنها أي برنامج. وهذه تحديداً ما لا يدخل في الامتحانات.
“الجريمة الصامتة”
أخطر ما في هذا الواقع أنه لا يبدو خطيرة. لا أحد يصرخ. لا دم على الأرض. الفصول مضاءة، الأولياء راضون، الشهادات تُمنح، الإحصائيات خضراء. لكن في الداخل، يتآكل شيء صامت: فضول الطفل. كل طفل يُولد بعقل متوهّج بالأسئلة. لماذا؟ كيف؟ ماذا لو؟ ثم يدخل المدرسة، وببطء وبرفق واحتراف شديد، نُطفئ ذلك التوهّج ونستبدله بإجابات جاهزة.
نُحوّل المستكشف إلى محفّظ. نُحوّل الفيلسوف الصغير إلى آلة اختبار.
وهذه — في رأيي — هي الجريمة التي لا نتحدث عنها.
“ماذا نريد بدلاً من ذلك؟”
لا أدعو إلى هدم المدرسة، فالفوضى ليست حلاً. لكنني أدعو إلى تحوّل واحد جوهري، صغير في شكله، ضخم في أثره: أن نُعلّم الطلاب كيف يسألون، لا فقط كيف يُجيبون. أن تكون علامة الامتحان الكاملة لمن طرح سؤالاً لم يخطر على بال أحد، لا لمن حفظ إجابة نسخها من قبله ألف طالب.
أن يخرج الطالب من الفصل وهو أكثر تساؤلاً مما دخل، لا أقل.
“كلمة تستحق التوقف”
قيل قديماً إن أفضل المعلمين لا يملؤون العقل بالمعلومات، بل يُشعلون فيه الجذوة. نحن اليوم نملك أروع الأدوات، وأحدث الشاشات، وأضخم الميزانيات. لكن الجذوة؟ ابحث عنها في عيون أطفالنا، وستجد الجواب بنفسك.
هل نحن فعلاً نُعلّم.. أم نُخدّر؟* هذا هو السؤال الذي يستحق أن يُفتح على مصراعيه.