الكرامات الخفية: أسرار أهل الله التي لا يراها الجميع (١٣) ” كرامة العلم… العلماء الذين كانت معارفهم كرامة للأمة”

العلم باعتباره من أعظم صور الكرامة

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

هل رأيت يومًا الناس يلتفون حول رجل لأنه يمشي على الماء؟ وربما سمعت عن آخر يقولون إنه يرى ما لا يراه الناس، أو يخبر بما سيحدث غدًا.

هذه القصص تجذب الفضول… لكنها ليست المقياس الحقيقي للولاية. بل قد تكون – في كثير من الأحيان – مجرد أحداث عابرة، يختلف الناس حول صحتها، ثم يطويها الزمن كما طوى آلاف الحكايات.

أما الكرامة التي لا يختلف عليها اثنان… والتي لا يستطيع الزمن أن يهزمها… فهي كرامة أخرى تمامًا. كرامة لا تُرى بالعين… بل تُرى في العقول، وفي القلوب، وفي الحضارات.

إنها… كرامة العلم. الكرامة التي لا تصنع ضجيجًا… لكنها تغيّر العالم.

ليست كل الكرامات تُبهر الأبصار…

بعض الناس يظنون أن الولي هو من يخالف قوانين الطبيعة.

لكن القرآن لم يجعل هذا هو الميزان. بل جعل الميزان الحقيقي هو الهداية. لأن أعظم معجزة يمكن أن تقع لإنسان… أن يخرج من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة.

وما قيمة رجل يمشي فوق الماء… إذا كان الناس يغرقون في الجهل؟

وما فائدة من يطير في الهواء… إذا كانت الأمة عاجزة عن النهوض؟

إن بناء عقل واحد… قد يكون عند الله أعظم من ألف مشهد خارق للعادة.

هناك رجال ماتوا…

لكنهم لم يغيبوا يومًا كم من ملكٍ ملأ الأرض سلطانًا… ثم أصبح اسمه سطرًا صغيرًا في كتاب التاريخ.

وكم من قائدٍ كانت الجيوش ترتجف أمامه… ثم نسيه الناس بعد سنوات قليلة.

لكن… هناك رجال رحلوا منذ مئات السنين… وما زالوا يتحدثون كل يوم مع ملايين البشر.

يفتح الناس كتبهم صباحًا… ويأخذون عنهم دينهم… وأخلاقهم… وفقههم… ونظرتهم إلى الحياة.

أي خلودٍ هذا؟ إنه خلود العلم.

لهذا قال النبي ﷺ

“إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.”

تأمل الحديث جيدًا. لم يقل: إلا من كشف الغيب… أو المشي على الماء… أو رؤية الملائكة…

بل قال: “علم يُنتفع به”. لأن العلم لا يموت. العلم يولد من جديد كلما قرأه إنسان… أو عمل به طالب… أو علّمه معلم… أو انتفع به مجتمع. إنه العمل الوحيد الذي يستطيع أن يعبر القرون دون أن يشيخ.

الشافعي…

الرجل الذي ما زال يُعلّم العالم بعد اثني عشر قرنًا.توفي الإمام الشافعي منذ أكثر من ألف ومائتي عام.

لكن هل مات حقًا؟ اسأل طالب العلم… واسأل القاضي… واسأل المفتي… واسأل ملايين المسلمين. سيجدون الشافعي حاضرًا بينهم. في الفقه… وفي أصول الاستدلال… وفي الأدب… وفي الحكمة… وفي احترام الاختلاف.

لقد مات الجسد… لكن العقل بقي حيًا. وهذه كرامة لا يملكها إلا من بارك الله في علمه.

النووي…

رجل عاش قليلًا… وأعطى البشرية كثيرًا .. لم يعش الإمام النووي عمرًا طويلًا. رحل وهو في الرابعة والأربعين فقط.

لكن انظر ماذا ترك. رياض الصالحين. الأربعون النووية. كتب تُقرأ كل يوم… في المساجد… وفي البيوت… وفي الجامعات… وفي كل مكان تقريبًا. أي عمرٍ هذا؟

لقد عاش أربعًا وأربعين سنة… لكن أثره يعيش منذ أكثر من سبعة قرون.

هذه ليست مصادفة. إنها البركة. والبركة… هي إحدى أعظم الكرامات الخفية.

IMG 20260618 WA0135

البخاري…

لم يكن يحفظ الحديث فقط… كان يحفظ الأمانة

يُروى أن الإمام البخاري كان إذا أراد أن يكتب حديثًا اغتسل أو توضأ، وصلى ركعتين، ثم استخار الله قبل أن يدوّن الحديث.

لم يكن يتعامل مع الكلمات… بل مع ميراث النبوة. ولهذا بارك الله في عمله. فصار كتابه أصح كتاب بعد كتاب الله.

وليس سر عظمته في قوة ذاكرته وحدها… بل في إخلاصه… وورعه… وتعظيمه لما يحمل.

فالقلوب الصادقة هي التي يحمل الله بها العلم إلى الأجيال.

عبد القادر الجيلاني… الذي ظلمته الأساطير

حين يُذكر اسم الإمام عبد القادر الجيلاني، ينشغل بعض الناس بقصص عجيبة تُروى عنه. لكنهم ينسون الحقيقة الأهم. لقد كان عالمًا… وفقيهًا… ومحدثًا… ومربيًا عظيمًا.

لم يصنع الرجال بالخوارق. بل صنعهم بالعلم. ولم يغيّر المجتمع بحكايات تُروى… بل بدروس تُعاش.

وهنا تكمن الكرامة الحقيقية.

أخطر كرامة في هذا العصر… أن تُنير عقل إنسان

نحن نعيش زمنًا تُقاس فيه قيمة الإنسان بعدد المتابعين. كل شيء أصبح رقمًا. مشاهدات. إعجابات. ترند.

لكن السماء لا تحسب بهذه الطريقة. ربما يعيش معلم بسيط في قرية لا يعرفها أحد. لا يملك قناة على الإنترنت… ولا حسابًا مشهورًا… لكن أحد طلابه يصبح طبيبًا ينقذ آلاف المرضى. وطالب آخر يصبح قاضيًا ينشر العدل. وثالث يصبح مصلحًا يغيّر مجتمعًا كاملًا.

فمن صاحب الفضل؟ قد يكون ذلك المعلم المجهول… الذي لم يلتقط معه أحد صورة… ولم يظهر في نشرة أخبار… لكنه عند الله من كبار صُنّاع الحياة.

إلى كل معلم…

إلى كل أب… إلى كل أم…

إلى كل من يزرع فكرة في عقل إنسان.

لا تظن أن رسالتك صغيرة. قد تكون كلمة واحدة منك… هي بداية هداية إنسان.

وقد تكون نصيحة عابرة… أنقذت شابًا من الضياع.

وقد تكون لحظة تشجيع… صنعت عالمًا يغيّر مستقبل أمة.

نحن لا نعرف كيف ينمو الخير. لكن الله يعرف. ولهذا فإن أعظم الكرامات ليست أن يعرف الناس اسمك… بل أن يكتب الله أثرك في قلوب عباده.

ليست الكرامة أن يُدهش الإنسان الناس بما يعجزون عنه. بل أن يمنحه الله علمًا يوقظ العقول، ويهدي القلوب، ويبني الأوطان.

العلماء الربانيون لم يتركوا وراءهم قصصًا تُحكى في المجالس… بل تركوا نورًا يمشي به الناس في ظلمات الحياة.

فإذا أردت أن تبحث عن أولياء الله… فابحث عن رجلٍ إذا جلس علّم… وإذا تكلم أصلح… وإذا مات بقي علمه حيًا.

فهذه هي الكرامة التي لا يطفئها الزمن… ولا يدفنها التراب.

في المقال القادم:

كرامة المواقف… حين تغيّر كلمة واحدة مجرى التاريخ

ليست كل البطولات في ساحات القتال، فبعضها يولد في لحظة صمت، أو في كلمة حق تُقال أمام سلطان جائر، أو في قرار شجاع يتخذه رجل واحد، فيغيّر مصير أمة بأكملها.

سنروي قصصًا حقيقية لمواقف بدت صغيرة في لحظتها، لكنها صنعت تاريخًا لا يزال أثره ممتدًا إلى اليوم.

فترقبوا… فبعض المواقف الصادقة أعظم عند الله من ألف كرامة يندهش لها الناس.

زر الذهاب إلى الأعلى