
الهجرة النبوية … التضحية طريق العزة والتمكين
✍️ بقلم : د . مجدى الناظر ألهجرةالحقيقية التي يحتاجها المسلم كل يوم هي أن بقلبه وجوارحه من المعاصى والذنوب إلى طاعة الله عز وجل، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الظلم إلى العدل، ومن الكذب إلى الصدق، ومن التقصير إلى الاجتهاد في مرضاة الله.
وقد بيّن النبي صلي الله عليه وسلم هذا المعنى العظيم بقوله: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». فليست الهجرة مجرد انتقال بالأجساد من مكان إلى مكان، وإنما هي انتقال بالروح والسلوك من طريق الخطأ إلى طريق الاستقامة.
فمن هجر الصلاة إلى المحافظة عليها فهو مهاجر إلى الله، ومن هجر عقوق الوالدين إلى برهما فهو مهاجر إلى الله، ومن هجر الغيبة والنميمة وسوء الأخلاق إلى حسن الخلق فهو مهاجر إلى الله، ومن هجر الحرام إلى الحلال فقد حقق معنى الهجرة في حياته.
تُعد الهجرة النبوية الشريفة من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام، فهي ليست مجرد انتقال من مكة إلى المدينة، بل كانت نقطة تحول كبرى غيّرت مجرى التاريخ، وأرست قواعد الدولة الإسلامية، وأثبتت أن التضحية في سبيل العقيدة والحق هي الطريق إلى العزة والتمكين.
لقد عاش المسلمون في مكة سنوات طويلة من الاضطهاد والتعذيب والحصار، وتحملوا صنوف الأذى من قريش، لكنهم ثبتوا على إيمانهم ولم يتراجعوا عن مبادئهم. وعندما اشتد البلاء، أذن الله لنبيه صلي الله عليه وسلم بالهجرة، فترك المسلمون أوطانهم وأموالهم وأهليهم ابتغاء مرضاة الله، مؤمنين بأن ما عند الله خير وأبقى.
وقد جسدت الهجرة أسمى معاني التضحية؛وسلّم ترك أحب البلاد إلى قلبه، وهاجر أبو بكر الصديق رضي الله عنه مخاطراً بنفسه وماله، وضرب علي بن أبي طالب رضي الله عنه أروع الأمثلة في الفداء حين نام في فراش النبي صلي الله عليه وسلم معرضاً نفسه للخطر.
ولم تكن الهجرة عملاً عشوائياً، بل كانت نموذجاً فريداً في التخطيط والأخذ بالأسباب مع التوكل على الله. فقد أعد النبي صلي الله عليه وسلم خطة محكمة للهجرة، واختار الرفيق والطريق والدليل، وأخفى تحركاته عن أعين الأعداء، ليعلم الأمة أن النجاح يحتاج إلى الإيمان والعمل والتخطيط معاً.
وكانت ثمرة هذه التضحيات عظيمة؛ فقد تحولت الجماعة المؤمنة المستضعفة إلى دولة قوية في المدينة المنورة، وانتشر نور الإسلام في الجزيرة العربية ثم في أنحاء العالم. وهكذا أثبتت الهجرة أن التضحية الصادقة لا تضيع، وأن الصبر على الشدائد يفتح أبواب النصر والتمكين.
قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ [النحل: 41].
إن العام الهجري الجديد يذكرنا بأن الهجرة ليست حدثاً تاريخياً فحسب، بل هي منهج حياة، فالمسلم مطالب بأن يهاجر من الذنوب إلى الطاعات، ومن اليأس إلى الأمل، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الكسل إلى العمل والبناء.
فكل عام هجري جديد هو فرصة للتوبة والتجديد والإصلاح، واستلهام دروس الهجرة النبوية العظيمة التي علمتنا أن التضحية طريق العزة، وأن الصبر مفتاح النصر، وأن التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب هو سبيل التمكين والنجاح.
نسأل الله أن يجعل عامنا الهجري الجديد عام خير وبركة وأمن وإيمان، وأن يرزقنا الاقتداء بسيرة نبينا الكريم صلي الله عليه وسلم في الصبر والثبات والعمل من أجل رفعة الأمة.