الدكتور ناصر الجندي يكتب ” الكرامات الخفية: أسرار أهل الله التي لا يراها الجميع (٤)”

كرامة الحضور: سر الطمأنينة التي يشعر بها الناس قرب أهل الله

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

هل جربت يوماً أن تدخل غرفة مشحونة بالتوتر، مثقلة بالهموم، ثم فجأة… وبمجرد دخول شخص معين، شعرت وكأن خريف صدرك انقلب ربيعاً؟

لم يمنحك مالاً، ولم يفك عقدة مشاكلك المستعصية، ولم يلقِ عليك خطبة عصماء في التنمية البشرية.. ومع ذلك، غادرته وأنت تشعر وكأن جبلاً كان جاثماً فوق قلبك قد تفتت وتلاشى! كأن الضجيج المرعب في رأسك تحول إلى سمفونية هادئة.

هذه ليست مصادفة، وليست مجرد راحة نفسية عابرة. إننا نقف هنا أمام واحدة من أعجب الأسرار التي عرفتها البشرية.. الكرامة الخفية التي تزلزل النفوس بصمت: “كرامة الحضور”.

عندما يصبح الوجود رسالة

في عالم اليوم، يتقاتل الجميع من أجل لفت الانتباه. هذا يصرخ ليعلو صوته، وذاك يستعرض إنجازاته على منصات التواصل، والكل يحاول إثبات أنه شخص مهم.

لكن أهل الله الحقيقيين كانوا مختلفين تماماً.

تأثيرهم لا يصنعه الضجيج، بل يصنعه “الحضور”. مجرد وجودهم كان رسالة مشفرة تقرأها الأرواح قبل العيون. ومجرد رؤيتهم كانت تذكيراً بالله دون أن ينطقوا بكلمة. يجلس المرء في مجالسهم فيشعر بالسكينة تتسلل إلى مساماته قبل أن يبدأ الحديث أصلاً.

ما الذي يشعر به الناس؟

إنه شعور مذهل وعميق يصعب اختزاله في الكلمات.. راحة.. أمان.. ثقة.. طمأنينة مطلقة.

كأنك تجلس بجوار شجرة عظيمة وارفة الظلال في يوم شديد الحرارة، أو كأنك وصلت أخيراً إلى بر الأمان والشاطئ الدافئ بعد ساعات مرعبة من السباحة وسط الأمواج العاتية. فالحضور الصادق لا يريح العقل المفكر فقط، بل يطمئن الروح المتعبة.

سر النور الداخلي

ليس كل نور يتطلب مصابيح لترى أثره؛ هناك نور ينعكس في الملامح، في طريقة الكلام، في دفء الابتسامة، في فيض الرحمة، في الصدق، وفي التواضع الذي يكسر كبرياء النفوس. 

وحين يمتلئ القلب بذكر الله، يبدأ هذا النور في التدفق والظهور دون تكلف أو تصنّع. ولهذا كان بعض الصالحين يدخلون مجلساً مليئاً بالتوتر والمشاحنات، فتتغير الأجواء تدريجياً وتنطفئ نيران الغضب. لا لأنهم يملكون قوى خارقة، بل لأن قلوبهم كانت متصلة مباشرة بمصدر السكينة نفسه.

لماذا نرتاح لبعض الناس؟

علم النفس الحديث يفسر هذا الغموض بما يسميه *”العدوى العاطفية”*؛ فالإنسان ينقل مشاعره وتردداته للآخرين دون أن يشعر. الخائف ينقل خوفه، والغاضب ينقل توتره، والمتفائل ينقل أمله.. فكيف إذا كان الإنسان يحمل في خبايا قلبه سلاماً عميقاً وإيماناً صادقاً؟ لا عجب أن تنتقل الطمأنينة منه إلى كل من حوله كالسحر. ولهذا كانت مجالس أهل الله مدارس للمشاعر والقلوب قبل أن تكون مدارس للكلمات والخطب.

رجل لا يتكلم كثيراً

تروي لنا كتب السير عن رجال صالحين لم يكونوا خطباء مشهورين، ولم يتركوا وراءهم مؤلفات ومجلدات ضخمة، لكن الناس كانوا يقطعون المسافات الطويلة والقفار.. فقط للجلوس معهم!

IMG 20260610 WA0127

ليس لسماع خطبة جديدة، بل للشعور بالسكينة. كانوا يجلسون ساعات طويلة في صمت مطبق، ثم يعودون إلى بيوتهم أكثر راحة وأقوى عزيمة، وكأن أرواحهم قد شُحنت بطاقة غيبية جديدة. هذه ليست معجزة بالمعنى التقليدي الذي يتصوره الناس، لكن أثرها كان أعمق بكثير من معجزات تثير الدهشة للحظات ثم تُنسى؛ إنها معجزة إحياء القلوب.

الحضور الذي يصنع التغيير

كم من طفل في زماننا احتاج إلى أب “حاضر بقلبه” أكثر من حاجته إلى هدية ثمينة؟

وكم من زوجة تفتقد نظرة اهتمام صادقة تُغنيها عن آلاف الكلمات والوعود؟

وكم من طالب تغيرت حياته وانقلب مسارها لأنه وجد معلماً يشعره بقيمته الإنسانية؟

إن أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان لأخيه الإنسان أحياناً ليس النصيحة، بل “الحضور”.. أن تكون موجوداً بكليتك حين يحتاجك الآخرون، أن تمنحهم وقتك، وإنصاتك، واهتمامك الصادق. فالوجود الحقيقي نوع من العطاء الفاخر الذي لا يقل قيمة عن المال والعلم.

لماذا نفتقد هذه الكرامة اليوم؟

السبب الصادم لأننا أصبحنا متصلين بالجميع… لكننا غائبون عن الجميع!

 نحمل الهواتف الذكية طوال الوقت، ونتبادل الرسائل بلا توقف، ومع ذلك تصرخ الأرواح من شدة الوحدة.

 لقد كثرت وسائل “التواصل”، ومات “التواصل الحقيقي”.

ولهذا أصبح البشر اليوم أكثر جوعاً واحتياجاً إلى إنسان يمنحهم حضوراً حقيقياً؛ إنسان ينظر إليهم بعينيه لا بشاشته، ويستمع إليهم بقلبه وروحه لا بأذنه فقط.

أهل الله كانوا ملاذاً للمتعبين

لم يكن الناس يطرقون أبوابهم دائماً بحثاً عن الفتوى، أو العلم، أو النصيحة المجرّدة.. بل كانوا يفرون إليهم لأنهم يشعرون هناك بشيء نادر افتقدوه في كل مكان آخر: يشعرون بالأمان.. بالقبول غير المشروط.. يشعرون أن هناك من يراهم كأرواح نقية لا كمصالح مادية. وهذا وحده كان كافياً وبلسماً شافياً لجراح نفسية غائرة.

الكرامة التي يمكن أن نمتلكها جميعاً

أجمل ما في هذه الكرامة أنها ليست صكاً مغلقاً ولا حكراً على أحد؛ فكل إنسان يستطيع أن يتحول إلى مصدر طمأنينة لمن حوله.

حين يملأ قلبه بالإيمان الصادق، وحين يطهر نفسه من الحقد والغل، وحين يتعلم الرحمة المجردة، ويمنح الآخرين اهتماماً نابعاً من أعماقه.. شيئاً فشيئاً، يتغير تردده الروحي، فيصبح وجوده مريحاً، ويصبح مجلسه محبوباً، ويصبح أثره في النفوس بليغاً وجميلاً.

الكرامة الحقيقية

ليست الكرامة أن يعرف الناس اسمك أو يصفقوا لك في المحافل، بل أن يشعروا بالراحة والأمان بمجرد رؤيتك.

وليست الكرامة أن يتحدث الناس عنك في غيابك بالتمجيد، بل أن تفيض مآقيهم بالدعاء لك فور مغادرتك.

وليست الكرامة أن تملك القدرة السحرية على التأثير في العقول فقط، بل العظمة كل العظمة أن تمنح السكينة للقلوب المضطربة.

فكم من إنسان عاش مجهولاً خفياً بين الناس، يمر كالنسمة، لكن حضوره كان رحمة وغيثاً، وكم من إنسان ملأ الدنيا صخباً وضجيجاً، ثم لم يترك في القلوب إلا الأثر المتعب!

أما أهل الله… فكانت أعظم كراماتهم وأجلّها أنهم إذا حضروا اطمأنت القلوب وسكنت الأرواح، وإذا غادروا ورحلوا، بقي أثرهم الجمل عبيراً يفوح وينير عتمة السنين.

زر الذهاب إلى الأعلى