(  دعاء يوم عرفة)    

 بقلم : د. فاطمة رجب الباجوري

المؤمن الحق الفطن، هو الذي يمتثل أوامر الله ـ تعالى ـ ويعمل الخير في كل وقت وحين، وهو الذي يتلمس نفحات رحمة ربه، ويغتنمها، ويحسن استقبالها، فقد ورد في المعجم الكبير للطبراني، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ ‌نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ” ونفحات الخير والرحمة والبركة من الله تعالى تتنزل على عباده طول العام، والمؤمن الحق هو الذي يترقب هذه النفحات، ويغتنمها ويحسن استقبالها واستغلالها.

فلو أن شخصا أخبرك أن شركة معينة تعرض منتجاتها بنصف الثمن لمدة أسبوع واحد، فستكون حريصا كل الحرص على اغتنام الفرصة، ولو ذهبت لوجدت المكان ممتلئا بالناس الذين يريدون أن يستفيدوا من هذا العرض السخي، فما بالكم بربٍ ـ ولله المثل الأعلى ـ يثيبكم على صيام يوم بتكفير ذنوب عامين كاملين، أي يكفر لك ذنوب (730 يوما )، فقد ورد في صحيح مسلم: أن المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية».

ليس هذا فحسب، فبجانب الصفح الجميل، يعطيك ما طلبت من خيري الدنيا والآخرة، فهذا يوم العطاء .. يوم السخاء .. يوم الجود .. فإذا أردت أن يمن الله عليك بالنجاح فعليك بالدعاء في يوم عرفة، وإذا أردت أن يمن الله عليك بالزواج فعليك بدعاء يوم عرفة، وإذا أردت أن يمن الله عليك بالغنى فعليك بدعاء يوم عرفة، فقد ورد في سنن الترمذي: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” خَيْرُ الدُّعَاءِ ‌دُعَاءُ ‌يَوْمِ ‌عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»

فدعاء يوم عرفة مقبول بأمر الله ـ تعالى ـ فلا أنسى أبدا أنني ـ منذ ما يقرب من عشرين عاما ـ قابلت سيدة مصرية في يوم عرفة، وكانت تكثر من الدعاء لابنها أن يدخل كلية الطب، فلما سألتها عن ملازمتها لهذا الدعاء، وكثرة ترديده قالت: إن ابني في الثانوية العامة، وهو مَنْ طلب مني أن أحج هذا العام لأدعو له بالحصول على المجموع الذي يؤهله لكلية الطب؛ لأن أخاه الأكبر في كلية الصيدلة، ولما كان في الثانوية، حججت بيت الله تعالى لأدعو له في يوم عرفة أن يرزقه الله بمجموع يؤهله لكلية الصيدلة.

فادع الله هذا اليوم، وأنت موقن بالإجابة سواء أكنت في عرفات أم في بيتك فأنت تسأل كريم، لو رأى منك الإخلاص، وحسن التوكل، والإلحاح في الدعاء، مع حضور القلب، فلن يردك خائبا.

ولكن إياك أن يكون همك في هذا اليوم الدنيا وحدها، ولتكن قرآنيا في دعائك ، مقتديا بنبيك 

فقد ورد في صحيح مسلم أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أكثر دعوة يدعو بها:«اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار»

 

ولتكن همتك عالية حتى يباهي الله تعالى بك ملائكته فقد ورد في صحيح مسلم: عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ:”مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ، وَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ “» ، فلا تفوت هذه الفرصة، وهذا الفوز العظيم الذي قال الله فيه: ‌{فَمَنْ ‌زُحْزِحَ ‌عَنِ ‌النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَاّ مَتاعُ الْغُرُورِ} ( آل عمران: 185)

 

زر الذهاب إلى الأعلى