الدكتور ناصر الجندى يكتب : “من العاصمة الإدارية إلى مستقبل الجمهورية الجديدة” هل بدأت مصر أخطر معركة لإنقاذ التعليم؟

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

  في صباحٍ بدا مختلفًا عن كل المؤتمرات التقليدية، لم تكن العاصمة الإدارية الجديدة تستضيف مجرد فعالية حكومية عابرة، بل كانت تحتضن ما يشبه “غرفة عمليات مستقبل مصر”.

هنا، في مؤتمر “استشراف مستقبل مصر في التعليم”، لم يكن الحديث عن كتب دراسية أو جداول حصص فقط… بل عن إعادة تشكيل عقل الإنسان المصري نفسه.

المشهد كان لافتًا: رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ووزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، وممثلة اليونيسف، ورؤساء جامعات، وقيادات الأزهر، وخبراء دوليون… جميعهم يجلسون حول سؤال واحد:

كيف يمكن لمصر أن تصنع تعليمًا ينجو من المستقبل بدلًا من أن ينهار أمامه؟

حين تتحول المؤتمرات من كلمات إلى “أدلة”

الفرق الحقيقي في مؤتمر 20 مايو 2026 لم يكن في عدد الحضور أو فخامة التنظيم، بل في اللغة الجديدة التي ظهرت بوضوح.

لأول مرة، بدا أن الدولة تحاول مغادرة مرحلة الشعارات إلى مرحلة “القياس والمحاسبة”.

لم يعد الحديث: “لدينا خطة تطوير”.

بل أصبح: “هذه هي النتائج… وهذه هي الأرقام… وهذا ما تحقق بالفعل.”

وهنا تكمن الخطورة والأهمية معًا.

لأن التعليم في مصر ظل لعقود ملفًا مليئًا بالوعود الكبيرة، بينما كان المواطن البسيط لا يرى سوى فصول مزدحمة، ومعلم مُرهق، وطلاب يحفظون أكثر مما يفهمون.

لكن المؤتمر هذه المرة حاول أن يقول: “نحن لا نبيع حلمًا… نحن نعرض ما حدث بالفعل.”

IMG 20260520 WA0173 1اليونيسف تدخل المشهد… والعالم يراقب التجربة المصرية

أحد أكثر المشاهد إثارة للاهتمام كان الإشادة الدولية الواضحة بالتجربة المصرية.

إعلان اختيار مصر ضمن أولى دول العالم التي تحصل على تعاون فني متقدم في تطوير التعلم الرقمي لم يكن مجرد مجاملة دبلوماسية.

بل رسالة تحمل معنى أعمق:

العالم بدأ ينظر إلى التعليم المصري باعتباره مشروعًا قابلًا للتصدير والتأثير، لا مجرد أزمة محلية مزمنة.

وهنا تحديدًا يظهر التحول الكبير.

فالدولة لم تعد تتحدث فقط عن “إصلاح المناهج”، بل عن بناء نموذج إقليمي قادر على الاستمرار والتوسع.

المعلم … من موظف مُنهك إلى “بطل الجمهورية الجديدة”

ربما كانت أكثر الجمل تأثيرًا في المؤتمر هي وصف رئيس الوزراء للمعلم بأنه:*“البطل الحقيقي في عملية التطوير.” هذه ليست عبارة بروتوكولية عابرة.

بل اعتراف متأخر بحقيقة يعرفها الجميع: لا توجد تكنولوجيا في العالم تستطيع إنقاذ تعليمٍ يُهمل معلمه.

لذلك بدا واضحًا أن الدولة بدأت تدرك أن أزمة التعليم ليست فقط في المناهج أو المباني، بل في الإنسان الذي يقف داخل الفصل.

فالمدرس الذي يشعر بالاستقرار والتقدير يمكنه أن يصنع معجزة حقيقية، بينما المعلم المُرهق قد يهزم أفضل المناهج في العالم.

ولهذا، فإن أي إصلاح حقيقي سيُقاس في النهاية بسؤال بسيط:

هل تغيّرت حياة المعلم فعلًا؟

محمد عبد اللطيف… وخطاب “القرارات الجريئة”

أما وزير التعليم محمد عبد اللطيف فقد بدا وكأنه يعلن الدخول في مرحلة “كسر التردد”.

حين وصف خطة التطوير بأنها: *“واحدة من أجرأ برامج إصلاح التعليم في تاريخ مصر الحديث”*

فهو لم يكن يبالغ كثيرًا.

لأن ما يحدث حاليًا يمس ملفات شديدة الحساسية:

 إعادة بناء الثانوية العامة.

 دمج التكنولوجيا.

 مواجهة الكثافات.

 تحديث المناهج.

 إعادة تعريف شكل التقييم نفسه

وهي ملفات لطالما كانت مناطق ألغام سياسية واجتماعية.

لكن الرسالة التي خرجت من المؤتمر كانت واضحة:

التراجع لم يعد خيارًا.

الأزهر يدخل المعركة… لحماية الروح وسط الثورة الرقمية

وسط كل هذا الحديث عن الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي، جاء حضور الأزهر الشريف ليضيف بُعدًا مختلفًا تمامًا.

لأن الخوف الأكبر لدى كثير من الأسر ليس التكنولوجيا نفسها… بل أن يتحول التعليم إلى آلة بلا روح.

ومن هنا ظهرت أهمية الرسالة الأزهرية: التقدم العلمي لا يجب أن يأتي على حساب الهوية والقيم.

إنها محاولة لصناعة معادلة شديدة الصعوبة: تعليم حديث… دون اقتلاع الجذور الثقافية والأخلاقية للمجتمع.

لكن السؤال الحقيقي لم يُجب عنه المؤتمر بعد…

رغم كل هذا الزخم، يبقى السؤال الأكثر حساسية معلقًا في الهواء:

متى يشعر المواطن البسيط أن التعليم تغيّر فعلًا؟

ليس في المؤتمرات… بل داخل الفصل.

حين يقل عدد الطلاب. حين يصبح المعلم قادرًا على الحياة بكرامة. حين يتعلم الطالب كيف يفكر بدلًا من كيف يحفظ. حين يجد خريج التعليم الفني وظيفة حقيقية لا شهادة معلقة على الحائط.

هنا فقط يمكن القول إن الإصلاح نجح.

مصر لا تُصلح التعليم فقط… بل تُعيد تعريف المستقبل

ما حدث في مؤتمر 20 مايو 2026 لم يكن مجرد عرض لإنجازات حكومية.

بل بدا وكأنه إعلان رسمي عن دخول مصر معركة طويلة وصعبة: *معركة بناء الإنسان القادر على العيش في عالم يتغير كل يوم.*

والحقيقة أن أخطر ما في الأمر… أن الفشل لم يعد رفاهية.

لأن الدول التي تتأخر في إصلاح التعليم اليوم، قد تستيقظ غدًا لتجد نفسها خارج المستقبل بالكامل.

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى