الدكتور ناصر الجندي يكتب : “شمّ النسيم… حين يخرج الوطن في نزهة واحدة”

بقلم الدكتور ناصر الجندي

   في يومٍ يبدو عاديًا في التقويم، لكنه استثنائي في القلوب، تستيقظ مصر على مزاج مختلف. لا مواعيد رسمية، لا توتر، لا أسئلة كبيرة… فقط رغبة بسيطة: أن نخرج، أن نضحك، أن نكون معًا.
   هذا هو شم النسيم… اليوم الذي لا يحتاج إلى تعريف، لأنه ببساطة يُشبهنا.

    منذ آلاف السنين، اختار المصري القديم هذا اليوم ليحتفل بالحياة. لم يكن يملك ما نملكه الآن من تعقيد، لكنه فهم شيئًا مهمًا: أن الطبيعة حين تزهر، يجب أن يزهر الإنسان معها. فخرج إلى النيل والحقول، يحتفل ببداية جديدة… وترك لنا هذه العادة كأنها وصية غير مكتوبة: “افرحوا… مهما كانت الظروف.”
والمدهش أن هذه الوصية ما زالت تُنفَّذ، لكن بطريقتنا نحن.

ناصر 2026

   في شمّ النسيم، لا أحد يفكر كثيرًا في الفروق. لا أحد يسأل: من يصلي هنا؟ ومن يذهب إلى الكنيسة؟
الجميع يجلس على نفس العشب، يأكل نفس الطعام، ويضحك على نفس النكات. وكأن هذا اليوم يقول لنا بهدوء: “أنتم أقرب مما تظنون.”

    هنا، تظهر فكرة أعمق… فكرة النسيج الوطني، ذلك الخيط غير المرئي الذي يربط الناس ببعضهم رغم اختلافاتهم. هو ليس شعارًا يُرفع، بل شعور يُعاش في لحظات بسيطة: ضحكة مشتركة، طبق طعام يُتبادل، أو مساحة يجلس فيها الجميع دون حواجز.
النسيج الوطني ليس مثاليًا دائمًا، لكنه حيّ… يتقوى كلما اخترنا أن نكون معًا بدل أن ننقسم، وأن نرى ما يجمعنا قبل ما يفرقنا.

  في مصر، لا تحتاج إلى خطابات طويلة عن الوحدة… يكفي أن تنزل في شمّ النسيم إلى أي حديقة، وستفهم كل شيء.سترى أسرة مسلمة تضحك مع أسرة مسيحية، أطفالًا لا يعرفون أصلًا معنى الاختلاف، وشبابًا يصنعون يومًا بسيطًا لكنه صادق.
وربما هنا يكمن السر…
أن هذا الوطن لا يتماسك بالقوة، بل بالمواقف الصغيرة التي تتكرر دون ضجيج.
في نهاية اليوم، قد نعود إلى بيوتنا مرهقين، برائحة الفسيخ التي لا تختفي بسهولة، لكننا نحمل معنا شيئًا أهم: إحساسًا خفيفًا وجميلًا بأننا، رغم كل شيء، ما زلنا قادرين أن نكون معًا… دون شروط.

شمّ النسيم ليس مجرد عيد…
“إنه تذكير سنوي بأن مصر، في جوهرها، نسيج واحد… كلما تمسّكنا بخيوطه، صار أقوى… وصار أجمل.”

زر الذهاب إلى الأعلى