(أنصتوا.. لعلكم ترحمون)  

بقلم: د: فاطمة رجب الباجوري

قال الله تعالى: {وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ‌لَعَلَّكُمْ ‌تُرْحَمُونَ} (الأعراف:(204) فالإنصات هو حسن الاستماع، وشدة الانتباه لما يسمع؛ للوصول إلى مرحلة الفهم والإدراك.ووورد في جامع البيان للطبري: “(فاستمعوا له): أصغوا له سمعكم لتتفهموا آياته، وتعتبروا بمواعظه، (وأنصتوا) إليه لتعقلوه وتتدبروه”. وهذه الآية وإن نزلت في الأمر بالاستماع والإنصات إلى الإمام في الصلاة الجهرية، إلا أنه لا يمنع أن يقصد بها حسن تدبر القرآن والعمل بما فيه، قال الزجاج في معاني القرآن ” ويجوز أن يكون فاستمعوا له وأنصِتُوا، اعملوا بما فيه ولا تجاوزوا؛ لأن معنى قول القائل: سمع اللَّه دُعاءَكَ. تأويله: أجاب الله دعَاءَك، لأن اللَّه جلّ ثناؤُه سميع عليم”.

وهذا المعنى متناسب تماما مع الآية السابقة على هذه الآية، والتي وصفت القرآن بأوصاف ثلاثة: {هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف:‌‌(203)) فالقرآن بصائر لمن عقله ووعيه وأصبح له كعينه التي يبصر بها فتهديه إلى الطريق المستقيم، قال الرازي:

“الناس في معارف التوحيد والنبوة والمعاد قسمان أحدهما: الذين بلغوا في هذه المعارف إلى حيث صاروا كالمشاهدين لها وهم أصحاب عين اليقين. والثاني: الذين ما بلغوا إلى ذلك الحد إلا أنهم وصلوا إلى درجات المستدلين: وهم أصحاب علم اليقين، فالقرآن في حق الأولين وهم السابقون بصائر، وفي حق القسم الثاني وهم المقتصدون هدى، وفي حق عامة المؤمنين رحمة، ولما كانت الفرق الثلاث من المؤمنين لا جرم قال: لقوم يؤمنون”

فتدبروا القرآن عباد الله؛ ليكون لكم بصائر وهدى تهتدون به، ويكون لكم رحمة، وتعلموه وعلموه، وبلغوا عن ربكم ولو آية كما أمر المصطفى – صلى الله عليه وسلم –  ولا تكونوا أقل وعيا وفطنة من الجن، الذي قال فيهم رب العزة: {وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(32)

انظروا كيف استمع الجن ثم أنصتوا وأمروا غيرهم بالإنصات .. ثم أنذروا قومهم، وأخبروهم أن هذا القرآن يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم .. ثم حثوهم على الاستجابة لداعي الله؛ والإيمان بما أتى به؛ لأنه طريق الوصول إلى الله؛ لمغفرة الذنوب، والوقاية من عذاب الله، ومن لا يجب داعي الله فليس له عاصم ولا ولي يحميه من عذاب الله، وأولئك في ضلال مبين، فإذا كان هذا إدراك الجن لقيمة القرآن فما بالنا نحن اليوم نستمع ولا ننصت ؟!.. ولا تتجاوز الآيات التي نسمعها آذاننا، فليتنا رزقنا إدراك الجن المؤمن للقرآن. فقد ورد في سنن الترمذي: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَسَكَتُوا، فَقَالَ: لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الجِنِّ لَيْلَةَ الجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ {‌فَبِأَيِّ ‌آلَاءِ ‌رَبِّكُمَا ‌تُكَذِّبَانِ} قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ».

 

زر الذهاب إلى الأعلى