دكتور أشرف زيدان يكتب عن الأركيولوجيا والجينيالوجيا في حكاية الخادمة: تفكيك بنية السلطة والخطاب

              دكتور أشرف إبراهيم زيدان
رئيس قسم اللغة الإنجليزية- جامعة بور سعيد 

   تُعد رواية “حكاية الخادمة” للكاتبة الكندية مارغريت آتوود واحدة من أبرز الأعمال الديستوبية في الأدب الحديث. صدرت لأول مرة عام 1985، وترسم صورة مظلمة لمجتمع مستقبلي يُعرف باسم “جمهورية جلعاد”، حيث تُحكم السلطة بقبضة دينية شمولية، ويتم تقسيم الأدوار الاجتماعية بشكل صارم، خاصة بالنسبة للنساء. تُجبر الخادمات على الإنجاب في خدمة النخب الحاكمة، بينما تتعرض حقوقهن للحجب والتجريد الكامل.
لتحليل هذه الرواية، يمكن الاستعانة بمنهجين فلسفيين طورهما ميشيل فوكو، وهما: المنهج الأركيولوجي والمنهج الجينيالوجي. تهتم الأركيولوجيا بدراسة طبقات الخطاب المعرفي في المجتمع، بينما تسعى الجينيالوجيا لتتبع الأصول التاريخية والاجتماعية لهذه الخطابات، وفهم كيف تشكّلت نتيجةً للصراعات السلطوية. في هذا التحليل، سنستخدم كلا المنهجين لتفكيك بنية المجتمع الجلعادي، وفهم آليات السيطرة والمعرفة فيه.

   من منظور أركيولوجي، يمكن دراسة طبقات الخطاب التي شكّلت جمهورية جلعاد في “حكاية الخادمة”. الهدف هنا هو كشف البنية المعرفية التي تُؤسس عليها مفاهيم مثل: الخصوبة، السلطة الدينية، الأدوار الجندرية، والمراقبة الاجتماعية.في جلعاد، تُعد النساء القادرات على الإنجاب موارد نادرة، ويتم تصنيفهن كـ “خادمات”، بحيث تكون وظيفتهن الأساسية هي التكاثر. تكشف الأركيولوجيا أن هذه البنية الخطابية قائمة على مفهوم “المرأة كوعاء للخصوبة”، وهو تصور عميق الجذور في النظام الاجتماعي واللغوي للرواية. اللغة في جلعاد مُهيكلة لتثبيت هذه الأدوار؛ فالنساء لا يُنادَين بأسمائهن، بل بأسماء مالكيهن، مثل “أوفريد” (Offred) التي تعني “ملكية فريد”، مما يلغي هويتهن الفردية.

10000265

  كذلك، يظهر مفهوم “أعين جلعاد” كأداة للمراقبة المطلقة، مما يعكس بنية معرفية تحكمها المراقبة الجماعية والتبليغ. تكشف الأركيولوجيا هنا عن خطاب سياسي قائم على سيطرة الجسد والمراقبة، حيث تكون الأجساد تحت أعين السلطة بشكل دائم، وهو ما يعزز مفهوم “الانضباط” و”التطويع”.بعد كشف الطبقات الخطابية، ننتقل إلى المنهج الجينيالوجي لتتبع الأصول التاريخية والاجتماعية التي أدت إلى نشوء هذا النظام القمعي في جلعاد. تبحث الجينيالوجيا في كيف ولماذا تشكّلت هذه السلطة المطلقة على الأجساد والحقوق؟
تُظهر الرواية أن جلعاد نشأت بعد سلسلة من الأزمات البيئية والاجتماعية، منها تراجع معدلات الخصوبة، وانهيار النظام الديمقراطي. تساعد الجينيالوجيا على كشف كيفية استغلال هذه الأزمات لتبرير السيطرة على أجساد النساء باسم “حماية البشرية”، حيث تحولت الخصوبة إلى قضية أمن قومي، وتمت شرعنة القمع على أسس دينية. هذه الأفكار ليست جديدة، بل تمتد إلى تصورات تاريخية عن دور المرأة، وتكرّس مفهوم “المرأة كأداة للإنجاب” في الخطاب الديني والسياسي.

    أيضًا، نجد أن مفهوم “التطويع الديني” يظهر بوضوح في الرواية، حيث يتم تحريف النصوص المقدسة لتبرير العبودية الجنسية والسيطرة على الخادمات. هنا، تكشف الجينيالوجيا كيف أن السلطة تُعيد كتابة النصوص الدينية بما يخدم مصالحها السياسية، وهو ما يعكس علاقة قوية بين المعرفة والسلطة.عند الجمع بين الأركيولوجيا والجينيالوجيا في تحليل “حكاية الخادمة”، يمكننا بناء قراءة عميقة ومتكاملة للرواية.
1. أركيولوجيًا: نكشف الطبقات الخطابية التي بُنيت عليها جمهورية جلعاد، بما في ذلك مفاهيم الخصوبة، المراقبة، والدين كأداة للشرعية.
2. جينيالوجيًا: نتتبع الأصول التاريخية التي أدت إلى صعود هذه البنى، مثل استغلال الأزمات، والخوف المجتمعي من الانقراض، ودور المؤسسات الدينية والسياسية في بناء خطاب السيطرة.

   من خلال المزج بين المنهج الأركيولوجي والمنهج الجينيالوجي، يمكننا أن نرى كيف أن رواية “حكاية الخادمة” ليست مجرد عمل خيالي، بل هي دراسة نقدية عميقة للبنية الخطابية والسياسية التي قد تُمكّن سلطات شمولية من السيطرة على الأفراد تحت ذرائع “الدين” و”الأمن”. يكشف هذا التحليل المزدوج كيف تُبنى الحقائق والمعارف وتُشرعن داخل المجتمع، ويجعلنا ندرك أن ما يبدو طبيعيًا هو في الحقيقة نتاج صراعات تاريخية معقدة.

زر الذهاب إلى الأعلى