رمضان شهر الاقتصاد

بقلم: د. فاطمة رجب الباجوري

يهل علينا شهر رمضان المبارك هذا العام في ظل ظروف اقتصادية قاسية على مستوى العالم، حيث غلاء الأسعار المبالغ فيه؛ نتيجة لعوامل عديدة منها استغلال التجار للأزمات، وعدم التصرف معها بنزاهة وأمانة، هذا مع تخزين الناس لكميات كبيرة من الطعام وادخارها لتكفي شهر رمضان كاملا، وربما شهر شوال أيضا، ثم تقوم السيدات بطبخ وطهي كميات كبيرة جدا من الطعام زائدة عن احتياجاتهن وأولادهن؛ فيترتب على ذلك فساد كميات من الطعام، كان من الممكن توفيرها لو تعودت كل ربة منزل استهلاك احتياجاتها الضرورية فقط، ترشيدا للاستهلاك ، وحفاظا على نعم الله تعالى ، فهي كما ورد في الحديث: “ قَلَّمَا نَفَرَتْ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ»، وإن كان في هذا الحديث ضعف إلا أن معناه صحيح، فقد أثبتت التجارب الحياتية أنه ما من نعمة أهدرت ، ولم يتم صونها إلا وضاعت، سواء أكانت مالا ، أم صحة ، أم وقتا …. إلخ ؛ لذلك قالوا «والنعم إذا شكرت قرت، وإذا كفرت فرت»

وقد كان السلف الصالح يدركون قيمة الاقتصاد، ويذمون السرف والإسراف بكل أشكاله، فقد روي عن سيدنا عمر أنه “دَخَلَ عَلَى ابْنِهِ ، وَعِنْدَهُ لَحْمٌ عَرِيضٌ ، فَقَالَ لَهُ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: قَرِمْنَا إِلَى اللَّحْمِ فَاشْتَرَيْنَا مِنْهُ بِدِرْهَمٍ. قَالَ: «وَكُلَّمَا اشْتَهَيْتَ اللَّحْمَ اشْتَرَيْتَهُ؟ كَفَى بِالْمَرْءِ سَرَفًا أَنْ يَأْكُلَ كُلَّمَا اشْتَهَى»(إصلاح المال لابن أبي الدنيا).

وهذا علِيٌ ـ  رضي الله عنه ـ يبين أنُّ: «الْبِطْنَةُ مَقْسَاةُ الْقَلْبِ» وقد أمرنا الله تعالى بالاعتدال في الطعام والشراب وعدم الإسراف فيهما ، فقال جل وعلا: {وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ } [الأعراف: 31] .

ولنا في رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسوة وقدوة حسنة نقتفي أثرها، ونتبع هديها، فقد كان ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ  ” ‌يلتوي ما يجد دقلا يملأ به بطنه” (رواه أحمد).(الدقل: رديء التمر).

وأخبرت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ  بقولها: «‌ما ‌شبع ‌رسول ‌الله ـ ‌صلى ‌الله ‌عليه وسلم ـ ثلاثة أيام تباعا من خبز بر، حتى مضى لسبيله»(رواه مسلم)

كما حدثت قائلة: «إن كنا آل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ،لنمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء» ( رواه مسلم).

وقد بين لنا المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ المنهج المتبع في الطعام والشراب قائلا: ‌ما ‌ملأ ‌ابن ‌آدم  وعاء شرا من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث لنفسه” (رواه أحمد).

ولعل في الصيام فرصة كبيرة لاقتفاء أثر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الاقتصاد، فهو شهر كريم مبارك، يكتفي المسلم الحق فيه بالقليل من الطعام، فهو سمت الصالحين والمؤمنين من عباد الله فعن أبي هريرة، أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا، فأسلم، فكان يأكل أكلا قليلا، فذكر ذلك للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  فقال: «إن ‌المؤمن ‌يأكل ‌في ‌معى ‌واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء»(رواه البخاري).

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى