
التغيرات الإدارية وهدم المؤسسات لضمان الولاء
بقلم/ محمد سعيد
ليست كل حركة تغيير إصلاحًا، وليست كل إعادة هيكلة تطويرًا. أحيانًا تُرفع لافتة “التحديث” بينما الهدف الحقيقي هو إعادة تشكيل المشهد بما يضمن الولاء قبل الكفاءة، والطاعة قبل المهنية.
حين يتسلّم مسؤول موقعًا قياديًا، يفترض أنه قبل المسؤولية بما فيها من منظومة قائمة: كوادر، خبرات، تقاليد عمل، وتراكم مؤسسي. لكن ما يحدث في بعض الأحيان هو العكس تمامًا؛ يبدأ المشهد بسلسلة تغييرات متلاحقة، إبعاد وجوه، وتعيين أخرى “من أهل الثقة”، فيتحول الكيان من مؤسسة تُدار بالقواعد إلى دائرة تُدار بالأشخاص.
المشكلة ليست في التغيير ذاته، فالتطوير ضرورة. لكن الخطر يكمن حين يصبح معيار البقاء هو القرب لا القدرة، والولاء لا الإنجاز. هنا يبدأ الهدم الهادئ:
تُهمَّش الخبرات، يُصاب الموظفون بالإحباط، وتفقد المؤسسة ذاكرتها. ومع كل موجة تغيير، تُستنزف طاقتها في التكيّف بدل الإنتاج.
المؤسسات القوية لا تُبنى على الأفراد، بل على أنظمة تحميها من مزاج الأفراد. القائد الحقيقي لا يخشى الكفاءات، بل يبحث عنها. لا يهدم ما قبله ليصنع مجده، بل يضيف إلى ما سبق ليصنع استمرارية.
ضمان الولاء عبر الهدم قد يمنح سيطرة مؤقتة، لكنه يخلق هشاشة طويلة المدى. لأن المؤسسة التي تُدار بالخوف تفقد روحها، والتي تُدار بالمحاباة تفقد عدالتها، والتي تُدار بلا معايير تفقد مستقبلها.
القيادة ليست اختبارًا للنفوذ، بل امتحانًا للنضج.
ومن يثق في قدرته، لا يحتاج إلى إقصاء الآخرين ليبقى.