
من دروس الإسراء والمعراج
بقلم: د/ فاطمة رجب الباجوري
تزاحمت عليك الهموم، وتراكمت عليك الأحزان، حتى ضاقت عليك الأرض بما رحبت، إياك أن تيأس، ولا أن تقف مكانك، بل عليك السعي، والأخذ بالأسباب، فهذا المصطفى – صلى الله عليه وسلم – في عام الحزن الذي ماتت فيه زوجته خديجة، التي كانت تسانده بروحها وحبها وعقلها الراجح ومالها الوفير، ومات فيه عمه أبو طالب الأب الرحيم، والمدافع الأول الذي كان يحميه من المشركين وبطشهم؛ رغم بقائه على الكفر.
في هذه الحالة العصيبة، والنفسية المحبطة، والقلب المكلوم، ذهب المصطفى – صلى الله عليه وسلم – إلى أهل الطائف ليدعوهم إلى الإسلام؛ فجلس مع أشرافهم وسادتهم لعله يجد منهم رجلا رشيدا؛ يهتدي فيقتدي به من حوله؛ لكنهم على العكس من ذلك كانوا جميعا صم بكم عمي فهم لا يعقلون، حتى إنهم من عمى أبصارهم وبصيرتهم، أغروا صبيانهم وسفهاءهم بالمصطفى – صلى الله عليه وسلم – فألقوا عليه الحجارة، حتى أدمت قدميه الشريفتين، فأرسل الله إليه ملك الجبال، فقال له : (إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا “ (رواه البخاري).
مر الرسول الكريم بكل هذا الأذى، وما رضي هلاك أمته، بل كان دائما على أمل أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله – تعالى – فأي هم ممكن أن يقاس بهم الدعوة ومسؤولياتها، وأي حزن أكبر من موت الأحبة، وخذلان من تحمل لهم الخير، وتدعوهم إلى الرشاد، في ظل هذا الألم، ومع كل هذا الحزن للقلب الذي حمل الخير والرحمة للإنسانية كلها تأتي المنح، من الله – تعالى – فيربط الله – تعالى – على قلب المصطفي، فيسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ويعرج به – صلى الله عليه وسلم – إلى السموات العلا؛ ليعرف مكانته عند ربه، وتفرض عليه الصلاة؛ هدية من الله تعالى، فتكون رسالة لهذه الأمة، أن في هذه الصلاة راحة للأرواح والأبدان.
فعلى الرغم من الدروس العظيمة التي حملتها رحلة الإسراء والمعراج ، فإن أول درس على المسلم أن يتعلمه أن المنح دائما تخرج من رحم المحن، فعلينا بالصبر على الشدائد، فمن رضي فله الرضا، والفرج والعطايا ، ورؤية الآيات والعبر، وصدق الله تعالى القائل في كتابه العزيز: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)}(الإسراء).
فالله سبحانه وتعالى قادر على تفريج كربك، وذهاب همك وغمك، ولكن لا تقف، ولا تتجمد، بل عليك بالسعي، والصلاة، وسيجبرك الله تعالى، ويريك عجائب قدرته في جبر خاطرك، والرباط على قلبك، إنه ولي ذلك والقادر عليه.