الدكتور ناصر الجندي يكتب :”عم سعيد والخواجة مينا”

بقلم الدكتور ناصر الجندي

  كنت فاكر وأنا صغير إن القرايب هما اللي اسمهم في شجرة العيلة، واللي مالهمش اسم يبقوا ناس عاديين.
لحد ما اتعلمت إن في ناس ما تدخلش الشجرة… تدخل القلب.
الخواجة مينا كان صاحب ورشة النجارة اللي جنب بيتنا.
بابها مفتوح دايمًا، وصوت الخشب وهو بيتنشر عامل زي موسيقى هادية، تحسها بتقولك: “اطمّن”.
أبويا كان كل ما يعدّي من قدام الورشة يقولّي:
– سلّم على عم مينا.

مرة ناديت عليه من غير ما أقول “عم”.
أبويا شدّني وقال بغضب هادي:
– الكبير يتنادَى باحترام.
سألته باستغراب:
– طب وهو بيندهلي باسمي ليه؟
قال:
– لأنه شايفك صغير… وإحنا لازم نشوفه كبير.
مينا كان يشوفني داخل الورشة يبتسم، ويقولي:
– تعال يا نجم، إيه أخبار المدرسة؟
يقعدني جنبه، يديني خشبة صغيرة، ويقولّي:
– الخشب ده كان شجرة واقفة في الشمس… خليك واقف دايمًا وما تنحنيش غير للحق.
يوم ما أبويا تعب، مينا ساب الشغل وجري وراه.
يوم ما الفلوس خلصت، لقيته سايب ظرف تحت المخدة.
ولا مرة قال: “أنا عملت”.
كان بيعمل ويمشي.

5550

لما أبويا مات، مينا وقف ساكت، دموعه نازلة من غير صوت.
ساعتها حسيت إن في حتة في البيت وقعت.
عدّت شهور، وسألت أمي:
– هو مينا يبقى إيه؟
قالت وهي بتبص للسقف:
– يبقى ستر ربنا.
لما مينا مات، الشارع كله لبس حزن.
بس جنازته راحت طريق، وأبويا طريق.
سألت وقلبي واجعني:
– ليه مش مع بعض؟
قالولي:
– لأن كل واحد له دين.

فهمت وقتها إن الدين طريق،
بس الإنسانية بيت واحد،
وإن في ناس مش بتشاركك الصلاة…
بس بتشاركك الوجع،
والخبز،
والدعوة الصادقة من القلب.

من اليوم ده عرفت
إن الأخ مش لازم يبقى شبهك،
ولا العم من دمك،
وإن الاختلاف مش عداوة،
وإن اللي يبني الإنسان…
مش اسمه إيه
ولا بيعبد إزاي
لكن قلبه عامر بإيه.

زر الذهاب إلى الأعلى