الدكتور ناصر الجندي يكتب “أحد الزعف: عندما دخل المسيح المدينة والقلوب مفتوحة”
بقلم الدكتور ناصر الجندي
بسم الإله الواحد الذي نعبده جميعًا، الرحمن الرحيم، الذي أرسل أنبياءه نورًا وهدى للعالمين.
هناك لحظات في التاريخ لا تمر، بل تبقى… تتردد في ضمير الإنسانية، كأنها مشاهد لا تُنسى.
ومن بين هذه اللحظات، لحظة دخول نبي الله عيسى ابن مريم، عليه السلام، مدينة القدس، في ما يُعرف عند إخوتنا المسيحيين بـ”أحد الزعف“، أو “الشعانين”.
مشهد مهيب، لا بالقوة الظاهرة، بل بالتواضع. لا بالبهرج، بل بالسكينة. لا بتيجان الملوك، بل بجحشٍ صغير، وسعفٍ يُفرش على الطريق، وقلوبٍ متأرجحة بين الحب والريبة.
إنه نبيّ الله عيسى، عليه السلام. الذي قال فيه القرآن الكريم:
“إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ”
(النساء: 171)
نبيّ كريم، اصطفاه الله ورفعه، وأيّده بروح القدس، وأجرى على يديه المعجزات العظيمة:
“وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ…”
(آل عمران: 49)
دخل المسيح القدس لا ليتسلّط، بل ليُبشّر.
دخلها لا بالسلاح، بل بالكلمة.
وهكذا وصفه الإنجيل أيضًا، حين قال:
“هوذا ملكك يأتي إليك وديعًا، راكبًا على أتان وجحش ابن أتان.”
(إنجيل متى 21:5)
كان الناس يهتفون له: “أوصنّا لابن داود!”
لكنهم، في داخلهم، كانوا يتوقّعون زعيمًا سياسيًا، منقذًا من الاحتلال.
أما هو، فقد جاء ليحرّر أرواحهم، لا أجسادهم فقط.
فقال:
“مملكتي ليست من هذا العالم.”
(يوحنا 18:36)
كم نحن بحاجة اليوم أن نتأمل هذا المشهد كمسلمين ومسيحيين معًا، لا كذكرى دينية فحسب، بل كرمز روحي وإنساني خالد.
المسيح عليه السلام ليس حكرًا على ديانة واحدة.
في القرآن، يُذكر بالاسم أكثر من 25 مرة، ويُرفع مقامه، ويُمدح في طهره، فيقول سبحانه:
“وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً…”
(المؤمنون: 50)
“وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا.”
(مريم: 33)
آية من الله، ودليل على رحمته.
ومدرسة في التواضع والصدق، في محبة الناس والدعاء لهم، حتى وهم يخذلونه.
وهنا تبدأ الدروس العميقة…
ما بين سعف النخيل، وأصوات الأطفال، وبين الخوف في عيون الحُكّام، كان المسيح يخطّ لنا طريقًا:
أن العظمة ليست في الهيمنة، بل في خدمة الناس.
أن النبوة ليست حكمًا على العروش، بل نداء في الصحارى القاحلة.
أن الأديان الكبرى، رغم اختلاف تفاصيلها، تتقاطع في جوهرها: الرحمة، العدل، التواضع، والرجوع إلى الله.
ومن هنا تأتي دعوة التعايش.
إذا كان المسيح نفسه، في الإنجيل والقرآن، نبيًّا للسلام، ورمزًا للنقاء، فلماذا لا يكون جسرا بين القلوب؟
لماذا لا نستحضره اليوم، لا لنقارن عقائدنا، بل لنلتقي في أخلاقه، في دعائه، في آلامه، في رسالته النقية؟
لقد قال المسيح في الإنجيل:
“طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون.”
(متى 5:9)
وأكّد القرآن هذا المعنى:
“وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا.”
(البقرة: 83)
“لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ…”
(الممتحنة: 8)
فليكن أحد الزعف فرصة لا للتذكُّر فقط، بل للتقارب.
أن نعرف أننا مهما اختلفت عقائدنا، فنحن نلتقي في محبة الخير، واحترام النبوة، وتقدير سيرة عيسى عليه السلام، الذي دخل القدس يومًا، وما زال يدخل القلوب إلى اليوم، لمن فتح لها الباب.
فلنفرش له سعف المحبة، ونمدّ له طرق التفاهم، ونقول من أعماق قلوبنا: مباركٌ من جاء بالسلام، وعلّمنا أن الملوك الحقيقيين يركبون التواضع لا الجياد.
وسلامٌ على المسيح، يوم وُلد، ويوم يموت، ويوم يُبعث حيًّا.