انشروا الفضائل ( الرضا)
بقلم : د. فاطمة رجب الباجوري
ما أجمل الرضا بقضاء الله وقدره ! وما أسعد الراضين ! فقد كان أباؤنا وأمهاتنا رحمهم الله تعالى، أكثرمنا مسؤولية وأقل رزقا، وما سمعناهم يوما يسخطون على القدر، ولا يشتكون من قلة أرزاقهم، ولا من كثرة مسؤولياتهم، إنما كانوا يسعون، ويتحرون الحلال والحرام، ويحمدون الله تعالى على ما منّ به عليهم من الرزق؛ على الرغم من قلته الشديدة إذا قيس بأرزاق هذه الأيام، لكنهم كانوا يدركون أن الرزق كله ليس مالا فقط ، إنما يعلمون أن الصحة رزق، وطاعة الزوجة وحسن رعايتها لبيتها رزق، والبركة في الأولاد وصلاحهم أعلى درجات الرزق، وقد انعكس رضا الآباء على الأبناء، فكنت ترى الابن يجتهد في دروسه، وربما يعمل أي عمل بجانب دراسته ليساعد والده، أو يخفف عنه أعباءه فيقوم بالإنفاق على نفسه من هذا العمل، وكانت الفتاة تذهب إلى مدرستها وتعود إلى البيت؛ فتساعد والدتها في صنع الطعام، وتنظيف البيت بكل رضا وسعادة. وعلى الرغم من ذلك كانوا يقابلون أقدار الله – تعالى – بالرضا والقبول، موقنين كل اليقين بقول الله تعالى:{ مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ}. ( سورة الحديد) (23)
أما اليوم، فقد وسعت الأرزاق، وقلت المسؤوليات، فقد كان الأباء في القديم يتحملون عبء أسرة قد تصل إلى عشرة أبناء أو يزيد، واليوم الأب يتحمل مسؤولية طفلين فقط ، وإذا كانت الأسرة كبيرة فلا تزيد عن أربعة أولاد، وأصبحت الأرزاق أوسع من ذي قبل، وعلى الرغم من ذلك، نجد سخطا من الآباء لضيق الرزق، وسخطا من الأبناء، وعدم رضا بكل شيء، وما ذلك إلا أننا أصبحنا نمد أعيننا في حياة الآخرين، فزميلي والده يعامله بطريقة تختلف عن طريقة والدي؛ لذلك زميلي له شخصية وأنا لا ، زميلى والده اشترى له سيارة وأنا لا ، زميلتي لها شخصية مميزة لأن والديها منحاها الحرية، أما أنا فلا، أعذار نسمعها كل يوم من الشباب الذين فنا أباؤهم أعمارهم لتربيتهم، وقدموا لهم كل شيء، لكن الأبناء لا يرضون بهذا العطاء، ويريدون أكثر منه بكثير؛ لذلك انتشر العقوق لأسباب واهية.
فإذا كنا في القديم ننسب إلى أهلينا كل نجاح وصلنا إليه ، فاليوم تنسب هذه الأجيال إلى والديها كل فشل وصلوا إليه، وليس هناك أكثر من الأعذار التي يعلقون عليها عقوقهم ،فمن أعطاه والده الحرية يدعي أنه أهمله وتركه دون توجيه حتى وصل إلى ماهو فيه، ومن قيد والده خروجه ودخوله في حدود المعقول حفاظا عليه وعلى وقته الذي هو عمره وحياته، اتهم والده بالشدة، وأنه كبته وقيد حريته حتى وصل إلى ماهو فيه . أصبح للعقوق أسباب وأشكال وصور، لم نسمع عنها من قبل .. وإذا أردت السبب، فإنه يكمن في عدم الرضا.