غزة بين نار الحروب وصمت العالم: ازدواجية المعايير في خطاب الحقوق والإنساني

قلم عبد الله معروف 

متابعة عادل شلبي

منذ عقود، وقطاع غزة يعيش على وقع الأزمات المتتالية، بدءًا من الاحتلال والحصار، وصولًا إلى الهجمات العسكرية التي تستهدف المدنيين بلا هوادة. الأحداث الأخيرة، حيث أطلقت إسرائيل هجومًا بريًا واسعًا على مدينة غزة وأحاطت بها من جهات عدة، تمثل ذروة جديدة في المأساة الإنسانية. آلاف العائلات هجرت منازلها، المستشفيات لم تعد قادرة على استقبال المصابين، والأطفال يواجهون خطر الموت جوعًا وعطشًا أو تحت القصف.

ورغم كل هذه المعاناة التي توثقها تقارير أممية ودولية، يقف العالم عاجزًا – أو متواطئًا – مكتفيًا ببيانات الشجب والإدانة، في الوقت الذي يستمر فيه تدفق الدعم العسكري والمالي لإسرائيل من قوى غربية كانت وما زالت ترفع شعار حقوق الإنسان.

التاريخ يُظهر أن فلسطين الحديثة كانت ضحية لتدخلات القوى الاستعمارية. فمع بدايات القرن العشرين، لعبت بريطانيا وأوروبا دورًا رئيسيًا في تمهيد الطريق لقيام دولة إسرائيل، عبر الدعم السياسي والمالي والعسكري، في إطار مشروع استعماري هدفه تمزيق الشرق الأوسط وإعادة تشكيله بما يخدم المصالح الاستراتيجية الغربية. وقد تمت رعاية هذا الكيان الناشئ وحمايته حتى غدا قوة مركزية في المنطقة. ومع مرور الزمن، اتجهت معظم دول الشرق الأوسط إلى عقد اتفاقيات سلام مع إسرائيل، بعضها بدافع الضرورة السياسية، وبعضها الآخر بحثًا عن استقرار داخلي أو مصالح اقتصادية. غير أن معاناة الشعب الفلسطيني، وخاصة في غزة، بقيت دون حل جذري، لتصبح القضية رمزًا للظلم المستمر.

ما يثير المفارقة أن أوروبا والعالم الغربي يرفعان شعارات سامية تتعلق بحقوق الطفل، وحقوق المرأة، وحقوق الحيوان، والحفاظ على البيئة، وعدم استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا. هذه المبادئ الإنسانية النبيلة تُستخدم كأدوات ضغط وسياسات خارجية حين يتعلق الأمر بدول بعينها، لكنها تُغيب تمامًا عند الحديث عن معاناة الفلسطينيين. كيف يمكن للعالم أن يتحدث عن “سلامة الطبيعة” وهو يشاهد غزة تُدمر تحت القصف، وبيئتها الحضرية تتحول إلى أنقاض؟ كيف يمكن التذكير بحقوق الأطفال بينما يُحرم أطفال غزة من أبسط حقوقهم في الحياة والدواء والتعليم؟

ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد صراع محلي، بل هو اختبار حقيقي لضمير العالم ولصدقية النظام الدولي. إن عجز المؤسسات الأممية، وصمت القوى الكبرى، واستمرار ازدواجية المعايير، كلها عوامل تعزز الإحباط وتفتح الباب أمام المزيد من العنف والفوضى. إن القضية الفلسطينية، وفي قلبها غزة، ستبقى جرحًا مفتوحًا ما لم يتحقق عدل حقيقي، وما لم تُطبّق المبادئ التي يتغنّى بها العالم على الجميع بلا استثناء.

زر الذهاب إلى الأعلى