دكتور أشرف زيدان يكتب رؤية جديدة حول “النسوية الإسلامية وتعدد الزوجات”
بقلم – دكتور أشرف إبراهيم زيدان
جامعة بور سعيد
النسوية الإسلامية، كما قدّمتها زيبا مير حسيني ومروة شرف الدين، تُعبّر عن وعي نقدي بالظلم الذي تتعرض له المرأة بسبب تفسيرات فقهية وضعها رجال، غالبًا ما حملت طابعًا أبويًا. وتُعد هذه الحركة شكلاً من أشكال النضال والمعرفة الهادفة إلى إنتاج قراءات بديلة تُعيد للمرأة المسلمة حقوقها استنادًا إلى مبادئ الإسلام الأصيلة في العدل، والكرامة الإنسانية، والمساواة.
ويُطلق على هذا التوجه اسم “النسوية الإسلامية” لأن مناصريها يستلهمون أفكارهم من جوهر التعاليم الإسلامية، لا من خارجه. فهم يسعون إلى تفكيك البنى الأبوية التي التصقت بالنصوص والمفاهيم الدينية، وإبراز رؤية أخلاقية ومساواتية للدين، تُمكّن النساء المسلمات من اتخاذ قرارات حرة ومسؤولة في مختلف جوانب حياتهن.
من هذا المنطلق، يُؤكد المفسرون النسويون على أهمية منح النساء المسلمات فرصة التفاعل المباشر مع القرآن، انطلاقًا من إيمانهم بأن النساء أنفسهن هن الأقدر على إعادة صياغة أدوارهن الاجتماعية والدينية بما يحقق العدالة والمساواة المنشودة.
من جهة أخرى، ترى أميمة أبو بكر أن ما تقوم به النسويات الإسلاميات لا يقتصر على “إعادة تفسير” (re-interpretations) النصوص، بل هو في جوهره “إلغاء للتفسير”(uninterpretation) الذكوري القائم. فهي تصف هذا المشروع بأنه جهد متواصل لإزاحة التفسيرات الفقهية التي صاغها فقهاء ذكور بأسلوب منحاز ضد النساء، وذلك لصالح إنتاج قراءات جديدة تتبنى مبادئ العدالة والمساواة، انطلاقًا من داخل الإطار الإسلامي ذاته. وتُبيّن أن هذا المسعى لا يهدف فقط إلى مراجعة النصوص، بل إلى تفكيك الممارسات الأبوية المتجذرة التي ارتبطت بالفهم التقليدي للدين.
اختارت عائشة هداية الله موضوع “تعدد الزوجات” كدراسة حالة توضح من خلالها المنهج النصي الذي تتبعه النسويات الإسلاميات عند تأويل الآيات القرآنية المتعلقة بالعلاقات بين الجنسين. وقد عارضت العديد من المفكرات النسويات مثل أمينة ودود، وعزيزة الحبري، وأسماء برلاس، القراءة التقليدية التي ترى في تعدد الزوجات حقًا مطلقًا للرجل. ووفقًا لطرحهن، ينبغي فهم هذا المفهوم في سياقه التاريخي، إذ كان مجتمع ما قبل الإسلام يشهد حروبًا متكررة أدت إلى مقتل العديد من الرجال، مما خلّف أعدادًا كبيرة من النساء دون معيل. لذلك، فإن الإذن بتعدد الزوجات في القرآن يجب أن يُقرأ كاستجابة ظرفية لحالة اجتماعية طارئة، ووفقًا لشروط واضحة، ما يجعل طبيعته – كما تؤكد النسويات – مشروطة وغير مطلقة.
الآيتان الأساسيتان في هذه المسألة هما الآية 3 والآية 129 من سورة النساء. تقول الأولى:
“وإن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا.”
بينما تنص الآية 129 على:
“ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورًا رحيمًا.”
في القراءة التقليدية، تُفهم الآية 4:3 على أنها تبيح للرجل الزواج بأكثر من امرأة بشرط تحقيق العدل بين الزوجات. لكن وفقًا للمنهج النصي الذي تتبناه النسويات والإصلاحيون، لا يمكن قراءة هذه الآية بمعزل عن غيرها. إذ أن الآية 4:129 توضح بجلاء أن تحقيق العدل بين النساء أمر مستحيل، حتى مع وجود نية حقيقية لذلك. هذا التناقض الظاهري يُفسر، بحسب برلاس وعائشة هداية الله، على أنه دعوة للتأمل في شروط التعدد، وليس تشريعًا مفتوحًا له.

تذهب النسويات الإسلاميات إلى أن القرآن، بمنهجه الداخلي، يحدّ من مشروعية تعدد الزوجات، بل ويجعله موضع شك إن لم يكن مرفوضًا، لأنه يتعارض مع واحدة من القيم المحورية التي يؤكدها النص القرآني مرارًا، وهي العدل. فبما أن التعدد ينطوي على ظلم محتمل أو فعلي للنساء، بسبب استحالة تحقيق المساواة الكاملة بينهن، فإن السماح به يناقض مقصدًا أساسيًا من مقاصد الشريعة.
وتحذر برلاس من تجاهل الآية 4:129، لذا فإن التغاضي عن جزء من النص أو تفسيره بشكل انتقائي يؤدي إلى إخلال بمنطق النص نفسه، بل وقد يُفضي إلى التشكيك في معانيه. ولهذا ترى النسويات أن التعدد لا يتماشى مع المبادئ القرآنية الكلية، وأن معارضته ليست خروجًا عن النص، بل وفاءٌ لمنطقه ومقاصده الأخلاقية.
تُعد قضية تعدد الزوجات، أيضا، من النقاط المركزية التي تستند إليها النسويات الإسلاميات في دعمهن لفكرة النهج التدريجي في التشريع القرآني. وكما تم توضيحه ضمن إطار القراءة النصية، فإن الآيات القرآنية المتعلقة بتعدد الزوجات تُظهر تناقضًا ظاهريًا: ففي إحدى الآيات يُشترط لتحقيق التعدد العدل بين الزوجات، بينما في آية أخرى يُؤكد استحالة تحقيق هذا العدل. وبناءً على هذا التوتر الداخلي في النص، ترى النسويات أن القرآن لا يُقرّ تعدد الزوجات بشكل مطلق كما فُهم تقليديًا، بل يسعى في جوهره إلى الحد منه تمهيدًا لإلغائه.
وتُبرر النسويات هذا الطرح بأن القرآن نزل في سياق ثقافي كان مُتجذرًا في ممارسات تعدد الزوجات، لدرجة أن بعض الرجال كانوا يتزوجون عشرات أو حتى مئات النساء (هداية الله ص 58). لذا، فإن إجراء قطيعة فورية مع هذه العادة لم يكن ممكنًا من الناحية الواقعية أو الاجتماعية. وبدلًا من ذلك، تبنّى القرآن أسلوبًا تدريجيًا للحد من هذه الممارسة، وذلك من خلال فرض شروط صارمة لتحقيق التعدد، مع الإشارة إلى صعوبة، بل استحالة، الالتزام بها. وبحسب هذا المنظور، فإن هذا النهج التدريجي كان يهدف إلى تحقيق إصلاح تدريجي ومستدام للمجتمع، يمهد في النهاية للتخلي الكامل عن تعدد الزوجات (هداية الله ص 101).