الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (26)

الدروس المستفادة من أزمة الثانوية العامة: ما الذي تعلمناه؟

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

حين تكون الأزمة فرصة
تمر المجتمعات بأزمات عديدة، بعضها يمر ويُنسى، وبعضها يترك ندوبًا دائمة. لكن القليل من الأزمات يتحول إلى “فرصة وعي”، شرط أن نتوقف، ونسأل، ونتأمل:
ما الذي جرى؟
ولماذا حدث؟
وماذا يمكن أن نستفيد منه؟
أزمة الثانوية العامة في مصر ـ بكل ما فيها من ضغط نفسي، اختلالات في التقييم، فوضى في التنسيق، وغموض في المستقبل ـ كشفت أكثر مما أخفت، ووضعتنا جميعًا أمام مرآة صادقة. فماذا تعلمنا؟

أولًا: أن نظامًا هشًّا لا يصنع أمانًا
أكبر ما كشفت عنه الأزمة أن النظام الحالي هشّ. نظام يختزل مستقبل الطالب في امتحان واحد، في ثلاث ساعات، لا يمكن أن يكون عادلًا أو عقلانيًا. تعلمنا أن الاعتماد على الامتحان النهائي فقط، دون تنويع أدوات التقييم، يعني أننا نبني مصير أبنائنا على الرمال. الأمان التعليمي لا يأتي من القسوة، بل من التوازن والعدالة والمرونة.

ثانيًا: أن الضغط يولّد الانفجار
الضغط النفسي على الطلاب، والأهالي، والمعلمين، بلغ ذروته. شهدنا:
• محاولات انتحار،
• نوبات بكاء جماعية،
• انهيارات عصبية،
• وعائلات تفككت تحت وطأة القلق.
تعلمنا أن التعليم إذا لم يكن إنسانيًا، فإنه يصبح أداة قمع لا بناء. وأن الصحة النفسية للطالب لا تقل أهمية عن درجاته.

ثالثًا: أن العدالة ليست مجرد أرقام
من أكثر ما أثار الجدل مسألة “العدالة”:
هل الاختبارات كانت موحدة؟
هل التصحيح إلكتروني وعادل؟
هل المجاميع تعكس المستوى الحقيقي؟
تعلمنا أن العدالة الحقيقية أعمق من توزيع الدرجات، وأن المساواة الشكلية لا تكفي إن كانت البيئات التعليمية غير متكافئة أصلًا. مدارس خاصة ومدارس حكومية، مدن وقرى، طلاب يملكون أدوات وطلاب لا يملكون شيئًا… فكيف نتحدث عن “فرصة متكافئة”؟

رابعًا: أن الجامعة ليست نهاية الطريق
رغم كل الضجيج حول التنسيق، اتضح أن دخول الجامعة ليس ضمانًا لأي شيء.
الطلاب أدركوا أن:
• سوق العمل لا يعترف كثيرًا بالشهادات وحدها،
• المهارة والتدريب والخبرة أهم،
• وكلية القمة لا تعني حياة القمة.
تعلمنا أن النجاح مسار طويل، لا محطة واحدة، وأن حلم الأسرة لا يجب أن يُختزل في اسم كلية.

260000000000

خامسًا: أن الإعلام سلاح ذو حدين
لعب الإعلام ـ سواء التقليدي أو الرقمي ـ دورًا مزدوجًا:
• ساهم أحيانًا في تهدئة المخاوف،
• وأحيانًا في تضخيم القلق.
انتشرت الشائعات، والمعلومات المتضاربة، وتضخمت قضايا وهمية على حساب نقاشات جوهرية. تعلمنا أن الإعلام يجب أن يكون شريكًا في التنوير، لا في صناعة الرعب الجماعي، وأن المعلومة الدقيقة المنضبطة، أصبحت سلعة نادرة في زمن الخوف.

سادسًا: أن التعليم بحاجة إلى ثورة ثقافية
الأزمة لم تكشف فقط عيوب النظام، بل عيوب ثقافتنا. ما زلنا نُقدّس الحفظ، ونُجرّم الفشل، ونُعلّي من شأن الطب والهندسة، ونتجاهل الإبداع والفن والحِرَف والمهارات. ما زلنا نقيس قيمة الإنسان بمجموعه، لا بعطائه. تعلمنا أن إصلاح التعليم لا يكون فقط بتغيير المناهج والامتحانات، بل بتغيير العقليات أولًا.

سابعًا: أن صوت الطالب يجب أن يُسمع
أحد أبرز مشاهد الأزمة كان خروج الطلاب للتعبير عن رأيهم: في الشارع، وعلى وسائل التواصل، وفي المنصات الإعلامية. تعلمنا أن الطلاب ليسوا مجرد متلقين صامتين، بل طرف أصيل في العملية التعليمية، يحق له أن يسأل، ويحتج، ويقترح، ويُحاسب من يضع له السياسات.

ثامنًا: أن المستقبل يطلب ما هو أكثر من “نجاح تقليدي”
العالم يتغير. الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد الرقمي، الوظائف الجديدة، التعليم الإلكتروني… كل ذلك يتطلب جيلًا مرنًا، مبدعًا، نقديًا، لا جيلًا تدرب فقط على حل نموذج الامتحان. تعلمنا أن الثانوية العامة بشكلها الحالي تُخرّج جيلًا قد لا يكون مستعدًا لهذا المستقبل.

فلنحوّل الألم إلى وعي
لقد تألمنا كثيرًا، وشكونا كثيرًا، وانتقدنا النظام كثيرًا. لكن إن لم نخرج من هذه الأزمة بإرادة إصلاح حقيقي، وبفهم جديد للتعليم، فقد تكون الأزمة المقبلة أعنف، وأشد وطأة. الدروس كثيرة، والمطلوب الآن أن نترجمها إلى:
• سياسات تربوية واقعية،
• إصلاحات مدروسة،
• إعلام مسؤول،
• ومجتمع يربي أبناءه على أن “النجاح لا يُقاس بمجموع، بل بتكامل الإنسان”.

زر الذهاب إلى الأعلى