
الاقليات عند العرب
ثمة معضلة يواجهها العقل العربي هي معضلة التعدد والاختلاف.
في مستوى الشعار الجميل الرومانسي، دائما ما نؤكد على أننا انصار التعدد وأن في التعدد رحمة، وأن في التعدد حرية وأن في تعدد الاختيارات الممكنة ثمة رحمة.
أكيد أن هذا الشعار في منتهى الوردية والرومانسية، لكن عندما نتعاطى واقعيا وسياسيا مع اشكالية التعدد والاختلاف، نجد انفسنا امام البوابة الضيقة في مسار وحيد او مسلك وحيد هو مسلك نظرية المؤامرة.
نظربة المؤامرة ليست كما يؤكد على ذلك البعض، حالة من حالات العقل الكسول او العقل الجبان في مواجهة الاشكاليات وفي مواجهة الهندسات المتشعبة للمجتمع العربي.
اعتقد ان ثمة شيء من هذا، نعم، لكن ثمة شيء من المؤامرات التي تصاحب هذا الجسد العربي المهزوم، هذا امر وارد وليس بالامر المستبعد او المستهجن مطلقا.
لكن الاشكال في علاقة بالتعاطي مع الاقليات هو في الواقع كالتالي: كل المجتمعات الديمقراطية، كل المجتمعات القائمة على حرية الاجتماع، والضمير وحرية التعبير وحرية التنظم وحرية الدعاية… كل المجتمعات التي تقوم فيها السلطة على مشروعية الارادة الشعبية، والتي تقوم على مبادئ التداول وعلى مبادئ الفصل بين السلطات وكل هذه المجتمعات ليس لديها اشكال مع الاقليات، ليس لديها اشكال مع المشكل الطائفي وليس لديها اشكال ما التعدد العرقي والجنسي و الفكري والمذهبي. فقط العرب والعرب وحدهم يرون في الاقليات اشكالبة، بل ومؤامرة، بل وعنوان فتنة، بل ايضا رأس جسر لتسرب مخابراتي… بالطبع، بكل تاكيد ليس في هذا القول ما يمكن ان يشرّع لنا الحكم بكونه هراء، ثمة شيء من هذا،، لكن السؤال المطروح لماذا لم تنجح لا فقط الانظمة بل ايضا المجتمعات العربية، في استيعاب المختلف، ولا في استيعاب المتعدد، ولا في استيعاب الكثرة، هذه الكثرة التي تزعج عقلا يشتغل بمنطق الاجماع تزعج عقلا يعتبر في الاختلاف فتنة و”الفتنة أشد من القتل”.
المعادلة الحيوية والصحية هي تلك التي تجمع بين الوحدة والاختلاف.
جدلية الوحدة والاختلاف هي الاساس الذي من شأنه ان يجعل الحالة الاجتماعية، حالة مخصبة، بما ان الحرية في اطار التعدد ديناميكية خلاقة، تمنع حالة التوازن الحيوي الذي هو يعادل الموت بطريقة ام باخرى… منطق الاجماع، منطق لا يمكن ان يكون انسانيا اصلا حتى لو عدنا الى جون جاك روسو. الاجماع عملية شبه مستحيلة حتى بالمعنى الميتافيزيقي حتى بالمعنى الديني، حتى في مستوى الفقه وهذه مسالة اخرى نستبعدها على الاقل من هذا الطرح ومن هذه المعالجة.
اعتقد ان الموضوع هو بالفعل موضوع استيعاب المختلف والمتعدد لان هذا جوهر الموضوع الديمقراطي. ليست الديمقراطية الامر المقدس الذي لا يطاله النقد، الذي لا يمكن ان يشكك فيه،،، بالعكس اكثر الانظمة القابلة للنقد، للمراجعة وللتطوير هي الانظمة الديمقراطية.
النظام الديمقراطي حالة مثالية باعتباره كما قال تشرشل هو أقل الانظمة السياسية سوء رغم انه يحمل العديد من المساويء لكن ميزته انه قابل للمراجعة، قابل للاصلاح في سياق تلك الديناميكية التي قلنا بانها ديناميكية لا تضم فقط اقليات في المعنى الجنسي والطائفي والعرقي بل اقليات ايضا فكرية وسياسية وإيديولوجية.
يمكن من داخل الديمقراطية السياسية ان تحول الاقلية الى اغلبية. فقط الاغلبيات في العالم العربي لا تتغير، فقط الاغلبيات في العالم العربي ازلية.
في العالم العربي لا يمكن لاي اقلية ان تتحول في يوم من الايام الى اغلبية الا في شكل كارثة؛ اما بالاحتراب او بالانقلاب بما يشبه سيناريو من السيناريوهات المفجعة والمخربة كالربيع العربي.
د. ليلى الهمامي