فن الحوار .. ودور اللسان في صنع السلام

بقلم : د. إسماعيل زين خضر

في زمن كثرت فيه الصراعات وتداخلت الثقافات، تبقى الكلمة هي الوسيلة الأرقى للتقارب، والحوار هو الجسر الأمثل للفهم والتعايش. الكلمة الصادقة تفتح القلوب، وتبني السلام، وتجمع ما تفرّق، وتبدد ظلمة الجهل والتعصب. ومن الرجال الذين أدركوا هذه الحقيقة وأحسنوا توظيفها، فضيلة الدكتور محمد أبو ليلة، رئيس قسم الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية بجامعة الأزهر وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – رحمه الله – الذي عرف بحلاوة اللسان، وفصاحة الحوار، ومتانة العبارات، وقوة الحجة والبرهان. فقد أسلم على يديه الآلاف من غير المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وكان بحق سفيرًا للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة.

حل ضيفًا كريمًا على أثير إذاعة القرآن الكريم، في برامج حوارية شهيرة مثل: “حوار العقل” مع الإذاعي الكبير أحمد عبد الظاهر، و”ندوة الأسبوع” للإذاعي الكبير عادل عبد القادر، و”في مكتبة عالم” مع الدكتور والإذاعي الكبير محمود خليل، و”سيرة ومسيرة” للإذاعي القدير رضا عبد السلام، وغيرها من البرامج الهادفة التي عكست فكره المستنير وأسلوبه البليغ.

ومن أبرز مؤلفاته، كتابه “قصص الأنبياء وأدب الحوار في القرآن الكريم”، الذي نقتبس منه هذه الكلمات المضيئة: “إن العالم اليوم صار كتابًا مفتوحًا يمكن للإنسان أن يستمد منه معلوماته، ويتفاعل معه في أي مكان أو زمان. وعلى الشعوب إذا أرادت أن تنعم بإنجازاتها الحضارية، وإذا أرادت أن تتفادى الحروب والنزاعات المدمرة، أن تفعل الحوار، وتوسّع من نطاقه، وتضع له الضمانات الكافية لتحقيق الغايات المرجوة، وأهمها: الأمن، والسلام، والتعايش السلمي.”

وهذا لا يكون إلا من خلال العقل، أعظم ما ميّز الله به الإنسان، كما قال تعالى:”الرَّحْمَـٰنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ” (الرحمن: 1-4)،”أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ” (البلد: 8-10)

فاللسان أداة عظيمة، بها يتم الحوار، ويُعبّر عن الفكر، ويُبنى التواصل. لكنه في الوقت نفسه سلاح ذو حدّين، فقد يُستعمل في الخير كما قد يُستعمل في الشر من غيبة ونميمة وكذب وتحريض ونفاق ومداهنة، إلى غير ذلك من آفات اللسان. وكم من كلمة خرجت فأهلكت أنفسًا، وخربت بيوتًا، وفرّقت بين الأحبة، وأشعلت نيران الفتنة، كما أشار القرآن الكريم: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ” (البقرة: 204-205)

وقد قال حكيم العرب أكثم بن صيفي: “مقتل الرجل بين فكيه”.

وجاء في الشعر: الحِلمُ زَيْنٌ والسُّكوتُ سلامةٌ .. فإذا نطَقتَ فلا تكُن مكثارا

ما إن نَدِمتُ على سكوتٍ مرَّةً .. لكن ندمتُ على الكلامِ مرارا

فالكلمة تُوزن بميزان العقل، ويُنظر في أثرها؛ فإن جلبت خيرًا كانت نورًا، وإن جلبت شرًا كانت دمارًا. ولهذا قيل:”الكلام في الخير كله أفضل من الصمت، والصمت في الشر كله أفضل من الكلام.”

وفي الختام، إن فكر الدكتور محمد أبو ليلة، وجهده الدعوي، وتأكيده على الحوار الراقي، يجب أن يبقى نبراسًا لكل من يسعى إلى نشر رسالة الإسلام بالحكمة والرحمة. رحم الله من جعل الكلمة صدقة، واللسان وسيلة سلام، والحوار سبيلًا إلى البناء لا الهدم.

 

زر الذهاب إلى الأعلى