الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (24)

التعليم الفني في الظل: لماذا نخجل من البدائل؟

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

حين يصبح “البديل” مرادفًا للفشل
في مجتمعاتنا، حين لا يحصل الطالب على مجموع يؤهله لـ”الثانوية العامة“، يُقال له: “خلاص، روح فني”، وكأنها إهانة مستترة. وحين يُذكر التعليم الفني، يُقابل غالبًا بالابتسامة الساخرة أو النظرات المتحسرة، وكأنه طريقٌ لغير الناجحين، أو للذين “لم يسعفهم الحظ”.
لكن السؤال الأعمق هنا: لماذا نخجل من البدائل؟ ولماذا يعيش التعليم الفني في الظل؟

عقدة “الثانوية العامة” وسردية النجاح الزائف
على مدار عقود، تم ترسيخ فكرة أن النجاح الحقيقي لا يكون إلا عبر “بوابة الثانوية العامة”، ومنها إلى كليات القمة. فصارت بقية الطرق التعليمية تُعامل كمسارات للناقصين، لا المختلفين.
وهكذا نشأ جيل يرى في التعليم الفني:
• طريقًا للفشل لا الكفاءة،
• رمزًا للطبقة الدنيا لا المهنية،
• مؤهلًا للوظائف الهامشية لا للأدوار الأساسية في الاقتصاد.
والنتيجة؟ نزيف من الطاقات المهدرة، وشباب تائهون بين نظرة المجتمع، وضعف الفرص، وانعدام الثقة في مسارهم.

التعليم الفني في أرقام: الواقع المهمل
• يشكل طلاب التعليم الفني ما يقرب من نصف طلاب المرحلة الثانوية في مصر.
• أغلبهم ينتهي بهم الأمر إلى سوق عمل غير منظم، غير مستقر، وغير مضمون الحقوق.
• الحد الأدنى من الإمكانيات في المدارس والمعاهد الفنية، وغياب التدريب العملي الجاد.
• مناهج جامدة لا تُواكب التكنولوجيا أو حاجات السوق.
• معلمون في كثير من الأحيان غير مؤهلين تربويًا ولا تقنيًا.
ورغم كل ذلك، لا يُطرح التعليم الفني في أي حوار مجتمعي باعتباره أولوية استراتيجية!

حين يكون الفني أساس كل اقتصاد قوي
في الدول المتقدمة، يُعامل التعليم الفني والتقني على أنه ذراع التنمية، ورافعة الاقتصاد الحقيقي. ففي ألمانيا مثلاً، نظام “الدوال” (Dual System) يدمج بين الدراسة والعمل منذ المراحل المبكرة، ويضمن تدريبًا عمليًا في الشركات. وفي فنلندا وسويسرا والنمسا، يشكل التعليم المهني خيارًا مفضلًا، ويقوده طلاب متفوقون يختارونه بملء إرادتهم، لا كخيار الضرورة.

24000000000000

المجتمع… شريك في التهميش
لا نستطيع أن نحمّل الدولة المسؤولية وحدها. المجتمع نفسه يرسخ نظرة دونية لهذا النوع من التعليم:
• الأسرة تدفع أبناءها دفعًا للثانوية العامة، حتى وإن لم تناسب ميولهم.
• الإعلام لا يُسلط الضوء إلا على أوائل الثانوية العامة.
• المدرسة تُعامل طلاب التعليم الفني كحالات خاصة، لا كأصحاب مسار موازٍ.
• سوق العمل يستغل خريجي الفني، ولا يمنحهم فرصًا للتطور.

لماذا نخجل من البدائل؟
لأننا ببساطة ربطنا القيمة باللقب، لا بالمهارة. لأننا ربينا أبناءنا على أن المِهَن عار، وأن “المهندس أحسن من الفني” حتى لو كان الفني هو من يُصلح له أعطاله.
لكن الحقيقة أن:
• الطيار لا يحلق من دون ميكانيكي.
• والجراح لا يعمل دون ممرض ماهر.
• والمصنع لا يدور من دون فنيين محترفين.
فلماذا نُهمّش العمود الفقري الحقيقي لأي اقتصاد؟

كيف نُنقذ التعليم الفني؟
خارطة الطريق لإنقاذ هذا المسار تبدأ من:
1. إعادة بناء الصورة الذهنية عبر الإعلام والتعليم والمناهج.
2. رفع جودة المدارس الفنية من حيث البنية التحتية والمعلمين والمحتوى.
3. دمج حقيقي مع سوق العمل: تدريب في الشركات، شراكات مع الصناعات، فرص للتوظيف المباشر.
4. إنشاء مسارات تعليم مرنة تسمح بالانتقال من الفني إلى التعليم العالي المهني أو الأكاديمي.
5. تحفيز المتفوقين على اختيار التعليم الفني عبر منح وفرص سفر وتقدير اجتماعي.

لا نجاح بدون بدائل حقيقية
التعليم الفني ليس بديلاً، بل هو مسار أصيل. هو خيار لا يجب أن يكون مقرونًا بالفشل، بل بالتخصص، بالاحتراف، بالمهارة. فإذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا للتعليم، وإذا أردنا اقتصادًا إنتاجيًا متطورًا، وإذا أردنا شبابًا يعملون بكرامة ومهارة، فعلينا أن نُخرِج التعليم الفني من الظل… ونمنحه الضوء الذي يستحقه.

زر الذهاب إلى الأعلى