بعد أسابيع قليلة من تجديده وإعادة افتتاحه

علماء الأزهر وأهالي القناطر يحتفلون بالهجرة النبوية في مسجد "الشهيد"

شهد مسجد “الشهيد” بقرية أبو الغيط، التابعة لمركز القناطر الخيرية، احتفالًا روحانيًّا بهيًّا بمناسبة حلول العام الهجري الجديد. ويأتي هذا الاحتفال في أجواء خاصة، بعد أسابيع قليلة من تجديده وإعادة افتتاحه، ليتجدد معه النبض الإيماني في قلوب الأهالي.. وقد احتشد جمع غفير من أهالي القرية والقرى المجاورة، في بيت الله، يستمعون إلى سيرة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، ويتأملون في أحداث الهجرة النبوية، ويغترفون من دروسها العظيمة التي ما زالت حيّة تنير دروب الأمة. أعدّ هذا الاحتفال وقدّمه الدكتور إسماعيل زين خضر، إمام وخطيب المسجد..،،

وقد استهلّ الدكتور إسماعيل زين، اللقاء بكلمة ترحيبية بالحضور، وبفضيلة الدكتور محمود جلال، أحد كبار علماء الأزهر الشريف، والداعية الإسلامي المعروف في المملكة المتحدة، والذي شرّف الحفل بحضوره ضيفًا كريمًا ووجهًا مضيئًا من وجوه الدعوة الإسلامية في المهجر.

وعنه تحدّث الدكتور إسماعيل زين خضر، قائلًا: “وُلد الدكتور محمود جلال في قرية منيل السلطان، مركز الصف بمحافظة الجيزة، ونشأ في بيئة قرآنية مباركة؛ إذ حفظ كتاب الله تعالى في سن مبكرة، ثم التحق بالأزهر الشريف حيث تكوَّنت ملامح شخصيته العلمية والدعوية، وهناك توطدت علاقته بصديقه المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد أبو ليلة رحمه الله، الذي كان له أثر بالغ في الفكر الدعوي المعاصر”.

ناشرا لرسالة الإسلام

بعد تخرّجه، نال الدكتور جلال درجة الماجستير من كلية أصول الدين، ثم عُيّن مدرسًا مساعدًا، قبل أن تفتح له الدعوة أبوابها إلى العالم، فهاجر إلى بريطانيا لينطلق منها صوتًا للعقيدة، ومربيًا للأجيال، وداعيًا بالحكمة والموعظة الحسنة.

أسلم على يديه كثيرون من غير المسلمين، وكانت له خطب مؤثرة في المركز الإسلامي بلندن، كما أسس مناهج تعليمية تُدرّس في المدارس الإسلامية هناك، ليصبح من أبرز الوجوه التي ساهمت في ترسيخ الهوية الإسلامية في أوروبا.

وتنقّل في مشارق الأرض ومغاربها، يحمل دعوة الإسلام الوسطي إلى شعوب شتى، فزار دولًا عديدة منها: إسبانيا، إيطاليا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، البوسنة والهرسك، السعودية، اليمن، المغرب، قطر، عمان، ليبيا، وجنوب أفريقيا، وهو مقيم في المملكة المتحدة منذ أكثر من خمسين عامًا، لا يزال فيها مشعلًا من مشاعل الهداية، داعما للجاليات الإسلامية بالعلم والتربية والدعوة.

قلب المشروع النابض

في كلمته، عبّر فضيلة الدكتور محمود جلال عن شكره العميق لأهالي القرية الذين أسهموا في بناء مسجد “الشهيد”، مشيدًا بروح التعاون والإخلاص التي رافقت هذا العمل، واصفًا المسجد بأنه “أيقونة جميلة في سماء الدعوة الإسلامية”، وأضاف: “تابعتُ مراحل بناء المسجد من بريطانيا، ورأيتُ كيف سهر القائمون عليه ليلًا ونهارًا حتى خرج بهذه الصورة المُشرقة”.

وأثنى على الدور المحوري للدكتور إسماعيل زين خضر، قائلًا: “كان قلب المشروع النابض، يتابع كل تفاصيله بدقة، حتى أصبح المسجد منارةً للعلم والإيمان”. كما خصّ بالشكر الأستاذ محمد إبراهيم عبد المؤمن على جهوده ومكانته الكبيرة بين الناس، ووجّه تحية تقدير إلى مدير إدارة الأوقاف والمفتشين، خاصة الشيخ محمد القاضي الذي لفت انتباهه بأسلوبه المميز، والشيخ عبد النبي عيد، لما يتحلّى به من أدب رفيع وجهد مشهود.

كما رحّب بفضيلة الشيخ عبد العليم أبو ليلة، وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، مستذكرًا مسيرته الدعوية الطويلة ومآثره في خدمة الدين والعلم.

أهمية بناء الإنسان

ثم تحدّث فضيلة الشيخ موسى حسن، مدير إدارة أوقاف القناطر الخيرية، عن ضرورة بناء الإنسان من الداخل، من خلال الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام الذين اختارهم الله لحمل الأمانة. وُلد الشيخ موسى في قرية الخرقانية، وتخرّج في كلية أصول الدين، وتدرّج في المناصب حتى تولى إدارة إدارات كبرى مثل شبرا الخيمة، العبور، وقليوب، ثم إدارة القناطر الخيرية. وقد عُرف بعلمه الواسع، وصدقه في العمل، وحزمه في ضبط الأداء الإداري والدعوي. وفي كلمته، استعرض فضيلته مكانة المهاجرين والأنصار في القرآن الكريم، وما تحمله الهجرة النبوية من معانٍ خالدة ودروس ممتدة، في الصبر، والثبات، والتضحية من أجل العقيدة.

دروس الهجرة النبوية

ألقى فضيلة الشيخ عبد العليم أبو ليلة، وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، كلمة عميقة المعاني عن الدروس المستفادة من الهجرة النبوية، مستعرضًا ما رواه ورقة بن نوفل للنبي محمد صلى الله عليه وسلم: “ليتني كنت حيًا إذ يخرجك قومك”، وكيف أن طريق الدعوة محفوف بالمعاناة والمواجهة، لكنه طريق النصر في نهاية المطاف.

وأشار الشيخ عبد العليم أبو ليلة، إلى أن تأخر أمر الهجرة ثلاث عشرة سنة إنما كان بتدبير إلهي لا يُسأل عنه، لأن “الله لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون”، والخير دائمًا فيما اختاره الله لعباده.

وسرد صورًا من معاناة الصحابة، كتعذيب بلال بن رباح، واستشهاد سُمية وياسر، وتضحية صهيب بن سنان بماله من أجل النجاة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ربح البيع أبا يحيى”.

كما تحدّث عن إسلام عمر بن الخطاب، الذي تحوّل من العداء إلى النصرة، فاستُجيبت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم: “اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام”.

من المواقف البارزة التي أُثيرت خلال اللقاء، ما حدث بعد غزوة حنين، حين وزّع النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم على المهاجرين ولم يُعطِ الأنصار، فوجدوا في أنفسهم شيئًا، فخطب فيهم رسول الله خطبة خالدة تُعدّ من أعظم دروس المحبة والوفاء، قال فيها:”أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله؟”..فبكوا حتى ابتلت لحاهم، وقالوا: “رضينا بالله ربًا، وبك يا رسول الله قسمًا”.

الافتتاح والختام

افتُتح اللقاء بتلاوة قرآنية من سورتي “التوبة” و”الضحى”، بصوت القارئ الشيخ أحمد كمال النفراوي، وخُتم بابتهالات ومدائح نبوية، أضفت على الليلة طابعًا روحيًّا بهيجًا، امتزجت فيه الذكرى بالعِبرة، والفرحة بالإيمان.

زر الذهاب إلى الأعلى