الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (20)

هل تنجح الثانوية في كشف الموهوبين؟

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

أين ذهب الموهوبون؟
في كل مدرسة، هناك طفل يكتب شعرًا مذهلًا، وآخر يصمم مجسمات مذهلة من ورق، وثالث يحلل مباريات كرة القدم وكأنه خبير عالمي. لكن حين تأتي الثانوية العامة، يختفون جميعًا، كأنهم لم يكونوا هنا. لا أحد يسأل عنهم، ولا أحد يراهم، ولا أحد يمنحهم فرصة لإثبات تميزهم. فهل يُعقل أن نظامًا تعليميًا لا يعترف إلا بالدرجات قادرٌ على كشف الموهبة؟
أولًا: تعريف الموهبة… هل نعرفه أصلًا؟
الموهبة ليست فقط الرسم والموسيقى. هي أيضًا:
• الذكاء الرياضي.
• الحس اللغوي والقدرة على التعبير.
• الابتكار العلمي أو القدرة على التفكير خارج الصندوق.
• المهارات القيادية والتنظيمية.
• القدرة على حل المشكلات أو إنتاج أفكار جديدة.
لكن منظومتنا التعليمية، وبالأخص في الثانوية العامة، لا تلتفت لكل هذا.
الموهوب من وجهة نظرها هو فقط من يحصل على درجات عالية في الحفظ والاسترجاع.
أما من يملك خيالًا، أو يدًا مبدعة، أو عقلًا تحليليًا، فهو عاطل عن “النجاح” في عيون النظام.
ثانيًا: امتحان موحد… عقلية موحدة
الثانوية العامة لا تعترف باختلاف العقول، بل تفترض أن الجميع يجب أن:
• يدرسوا نفس المناهج، بنفس الطريقة، في نفس المدة.
• يجيبوا على نفس الأسئلة، في نفس الظروف، بأسلوب واحد.
• يُقيموا بناءً على قدرتهم على التذكر والاسترجاع، لا على الفهم أو الإبداع.
وهكذا، فإن الطالب الموهوب – أيًّا كانت موهبته – يجد نفسه في نظام لا يرى ولا يسمع ولا يفهم ما يميزه.
يبدأ في الشك في نفسه، وتُقتل موهبته في صمت.
ثالثًا: موهوبون خارج الامتحان
كم من كاتب موهوب رسب في التعبير؟
كم من عالم مستقبلي حصل على “ضعيف” في الفيزياء؟
كم من فنان أو مبتكر تم تصنيفه “طالبًا فاشلًا”؟
التاريخ يعج بالأمثلة:
• أينشتاين طُرد من المدرسة.
• توماس إديسون قيل عنه إنه “غبي” ولا يصلح للتعلم.
• عباس العقاد لم يكمل تعليمه الرسمي أبدًا.
ليس لأنهم لم يكونوا أذكياء، بل لأن الأنظمة التقليدية لم تكن قادرة على رؤية ما يملكونه.

20000000رابعًا: التعليم الموهبة في خبر كان
حتى في مراحل ما قبل الثانوية، لا توجد آليات حقيقية لاكتشاف الموهوبين.
لا اختبارات خاصة، ولا برامج دعم، ولا أنشطة منظمة تُخرج المواهب من الظل.
أما في الثانوية العامة، فالطالب يتحول إلى آلة مذاكرة،
والأسرة تُغلق كل الأبواب الأخرى:
“اركن الرسم دلوقتي… نسيب الكرة بعد الامتحانات… كفاية تأليف، ركز في الكيمياء!”
وهكذا، يموت فينا الموهوب مرتين:
مرة لأن النظام لا يراه، ومرة لأن المجتمع لا يشجعه.
خامسًا: تجارب بديلة… ونظرة أوسع
في دول مثل فنلندا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة:
• توجد اختبارات ذكاء متعددة في مراحل مبكرة لاكتشاف أنواع مختلفة من الموهبة.
• تقدم برامج دعم فردية للموهوبين، سواء كانوا متميزين فنيًا أو رياضيًا أو علميًا.
• تُخصص مدارس أو مسارات موازية لتنمية الموهبة بجانب التعليم الأكاديمي.
• يتم دمج المهارات الإبداعية في المنهج، لا فصلها عنه.
فالموهبة هناك كنز قومي، لا مجرد هواية يجب تأجيلها.
سادسًا: ماذا نحتاج؟
لكي نُعيد الاعتبار للموهبة، لا بد من:
1. توسيع مفهوم التفوق ليشمل الإبداع، لا فقط التفوق الأكاديمي.
2. إدراج اختبارات وأساليب تعليم تراعي اختلاف الذكاءات (اللغوية، البصرية، الحركية…).
3. إتاحة مسارات تعليمية مرنة تراعي التميز الفني أو العملي أو التقني.
4. تدريب المعلمين على اكتشاف وتبني وتشجيع الموهبة، لا قمعها.
5. نشر ثقافة مجتمعية تحتفي بالموهبة أينما ظهرت، لا فقط في المجاميع العالية.
الموهبة لا تموت… لكنها تُهمّش
الموهبة مثل النبتة:
إن لم تجد تربة جيدة، وماء، واهتمام، فلن تُثمر… لكنها لا تموت.
طلاب الثانوية العامة ليسوا فقط “درجات تمشي على قدمين”،
بل بشرٌ يملكون مواهب متنوعة، ينتظرون من يراهم، من يؤمن بهم، من يفتح لهم أبوابًا غير أبواب الامتحانات.
الثانوية لا تنجح في كشف الموهوبين لأنها لا تبحث عنهم أصلًا.
والوقت قد حان لنسأل: هل نريد نظامًا يصنف؟
أم نظامًا يكتشف، ويرعى، ويُطلق الطاقات؟

زر الذهاب إلى الأعلى