الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (18)

الإعلام والثانوية العامة: صناعة الرعب السنوي

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

موسم الرعب يبدأ على الشاشات
ما إن يقترب موعد الثانوية العامة، حتى تبدأ آلة إعلامية ضخمة في العمل:
عناوين مثيرة، تقارير ميدانية، كاميرات على أبواب اللجان، لقاءات مع أولياء الأمور المتوترين، وتصريحات رسمية غامضة أو مشحونة بالتهديد.
وفي قلب كل ذلك، يقف الطالب في مرمى النيران، محاصرًا بالخوف، مشلولًا بالضغط، عاجزًا عن التنفس.
لكن السؤال الجوهري هنا:
هل ينقل الإعلام الواقع؟
أم أنه يصنع واقعًا مهووسًا بالامتحان، ومهووسًا بالرعب؟
أولًا: إعلام الامتحان… لا تعليم ولا تربية
الإعلام الرسمي والخاص يتعامل مع الثانوية العامة بوصفها:
• حدثًا موسميًا ضخمًا، أشبه بمباريات نهائية في كأس العالم.
• فرصة للسبق الصحفي عبر تغطية الانتحار، الانهيار، الغش، أو التصريحات المتوترة.
• دراما مجانية تبني عليها نشرات الأخبار، وحلقات البرامج الصباحية والمسائية.
لكن التعليم، كفكرة وتربية وتنمية، غائب تمامًا من الصورة.
يُختزل كل المشهد في:
امتحان صعب – طالب يبكي – أم منهارة – مراقب صارم – نتيجة صادمة – ولقطة احتفالية للتفوق المثير.
ثانيًا: تضخيم الرعب… وخنق النفسية
الإعلام لا يواكب فقط توتر الثانوية العامة، بل يصنعه ويؤججه:
• عناوين مثل: “امتحان الفيزياء يُبكي الطلبة”، “الكيمياء تحطم آمال المتفوقين”.
• تقارير حية من أمام اللجان تُصور القلق وكأنه معركة حياة أو موت.
• تحليلات غير دقيقة عن “كليات القمة”، تُعزز الهوس بالأرقام.
• مشاهد مكررة للانهيارات والبكاء، تزرع في الطالب الإحساس بأن الألم قادم لا محالة.
وهكذا، بدل أن يكون الإعلام شريكًا في التهدئة والتوعية، يصبح شريكًا في الترويع والتخويف.
ثالثًا: الطالب سلعة إعلامية
في موسم الثانوية العامة، يُستخدم الطالب كسلعة:
• مشهد الطالب المنهار أمام الكاميرا يُحقق مشاهدات عالية.
• لقاءات “الأوائل” تتحول إلى قصص درامية أو بطولية، تبالغ في تصويرهم كـ”أبطال خارقين”.
• وفي الجانب الآخر، تُنشر أخبار الانتحار والفشل والإحباط، كنوع من “السبق”، دون مراعاة للأثر النفسي على الجمهور.
وهكذا، يتأرجح الطالب في الإعلام بين نموذج خارق مستحيل التكرار، أو ضحية عاجزة مهددة بالانهيار… ولا مكان لـ”الطالب العادي” بقلقه الطبيعي وإنسانيته البسيطة.

18000000رابعًا: أثر الإعلام على الأسرة والمجتمع
لا يقف تأثير الإعلام عند الطالب وحده، بل:
• يدفع الأهل إلى مزيد من القلق والضغط على أبنائهم.
• يعزز الفكرة أن كل شيء يتوقف على هذا الامتحان، ما يُضاعف التوتر العام.
• يرسّخ مفهوم خاطئ للتفوق والنجاح، مبني على المجموع والكلية فقط.
• يؤسس لنموذج فاشل في الخيال الجمعي: أن الثانوية العامة معركة وطنية، لا مجرد مرحلة تعليمية.
خامسًا: غياب الإعلام التربوي والتعليمي
في مقابل كل هذا الزخم، يغيب الإعلام الذي يثقف، ويدعم، ويصحح المفاهيم:
• أين البرامج التي تشرح للأهل كيف يتعاملون نفسيًا مع أولادهم في هذه المرحلة؟
• أين التغطيات التي تسلط الضوء على طرق المذاكرة الصحيحة، أو الاستعداد الذهني، أو آليات التوازن النفسي؟
• أين القصص الملهمة التي تبرز من نجحوا في الحياة بعيدًا عن كليات القمة؟
• أين الحوار حول إصلاح التعليم بدل التركيز على دراما الامتحان فقط؟
للأسف، الإعلام يُفضّل الإثارة على التوعية، والدراما على الإصلاح.
سادسًا: ماذا نريد من الإعلام؟
الإعلام لا يجب أن يكون أداة رعب موسمي، بل:
1. شريكًا تربويًا في بناء وعي جديد حول التعليم والتقييم.
2. مرآة تعكس الأزمة، لكنها لا تُضخمها ولا تُشوهها.
3. منصة لمناقشة البدائل التعليمية العالمية والنماذج المتنوعة للنجاح.
4. مساحة آمنة للطلاب أنفسهم يعبرون فيها عن مخاوفهم وآرائهم.
5. أداة ضغط على صانع القرار من أجل تطوير التعليم، لا فقط تغطية نتائجه.
إعلام يصنع الحياة لا الرعب
الثانوية العامة ليست معركة، والطالب ليس محاربًا.
هو مجرد شاب أو شابة في عمر التكوين، يحتاج إلى دعم، لا تهويل.
وإذا كان الإعلام قادرًا على أن يصنع من الثانوية موسمًا للرعب،
فهو أيضًا قادر على أن يصنع منها موسمًا للتوعية، للرحمة، ولإعادة التفكير في معنى النجاح والتعلم.
الإعلام مسؤولية، لا فقط كاميرا ومشاهدات.

زر الذهاب إلى الأعلى