الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب”أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (17)
الدروس الخصوصية: اقتصاد يبتلع الملايين
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
التعليم المجاني المدفوع
في بلد تُرفع فيه لافتات “التعليم المجاني” منذ عقود، يعيش ملايين الأسر واقعًا مختلفًا تمامًا:
واقع التعليم المدفوع، لا من باب الأقساط المدرسية، بل من باب الدروس الخصوصية.
ظاهرة تحولت من حلّ مؤقت لسدّ العجز إلى نظام موازٍ للتعليم الرسمي، يبتلع ميزانيات البيوت، ويعيد تشكيل علاقة الطالب بالمدرسة، والمعلم، والمجتمع كله.
فكيف أصبحت الدروس الخصوصية قوة اقتصادية ضاربة؟
ومن المسؤول عن تفشي هذا النموذج المكلف والمشوّه؟
وهل هي مجرد نتيجة لنظام تعليمي فاشل… أم أنها أصبحت جزءًا أصيلًا منه؟
أولًا: الأرقام لا تكذب
تشير التقديرات الرسمية وغير الرسمية إلى أرقام مذهلة:
• أكثر من 30 مليار جنيه سنويًا ينفقها المصريون على الدروس الخصوصية (وقدّرها البعض بأضعاف ذلك).
• في بعض الأسر، تصل نسبة الإنفاق على الدروس إلى 40% من الدخل الشهري.
• بعض المدرسين الخصوصيين يتقاضون دخلًا شهريًا يوازي كبار رجال الأعمال، من خلال السناتر أو “الجروبات” الإلكترونية.
هذه ليست نفقات تكميلية، بل اقتصاد موازٍ متكامل، يشتمل على:
مراكز تعليمية، إعلانات، منصات أونلاين، اتفاقات غير مكتوبة، وسوق عمل لا يخضع لأي رقابة.
ثانيًا: من المدرسة إلى السنتر
في العقود الماضية، انتقل مركز الثقل التعليمي من المدرسة إلى السنتر، ومن الفصل إلى الحصة المدفوعة.
• أصبح كثير من الطلاب لا يرون في المدرسة إلا مكانًا لتسجيل الحضور، لا للتعلم.
• بعض المدرسين أصبحوا يُضعفون الشرح في المدرسة عمدًا، لدفع الطلاب نحو الدروس.
• تحوّلت العلاقة بين الطالب والمعلم من تفاعل تربوي إلى صفقة اقتصادية.
وهكذا، ماتت المدرسة كفكرة تعليمية وتربوية، وحلّ محلها السوق المفتوح.
ثالثًا: الدولة… شريك في الأزمة؟
قد يتساءل البعض: أين الدولة؟ أليست مسؤولة عن التعليم المجاني؟
والإجابة معقدة، لأن الدولة:
• تغض الطرف في كثير من الأحيان، وربما ترى في الدروس الخصوصية “حلًّا غير رسميًا” لأزمة عجز المعلمين.
• تفرض ضرائب جديدة على السناتر بدلًا من إغلاقها أو إصلاح سبب وجودها.
• لم تنجح في تحسين جودة التعليم الرسمي بشكل يجعل الطالب يستغني عن البديل الخاص.
• وعندما حاولت منع الدروس، لم تقدم بديلًا حقيقيًا… بل دفعت الظاهرة إلى الانتقال للسوشيال ميديا.
إنها حالة من التواطؤ الصامت بين العجز الرسمي والطلب الشعبي، في ظل غياب إصلاح جذري.
رابعًا: الأثر النفسي والاجتماعي
الدروس الخصوصية لا تُرهق الجيوب فقط، بل تُدمّر:
• العدالة التعليمية: الطالب الغني يحصل على أفضل الشروحات، بينما الفقير يبحث عن طريقة للفهم.
• الأسرة نفسيًا: التوتر المستمر بسبب المال، والضغط على الطالب للتحصيل.
• الطالب نفسه: يفقد الإحساس بالمتعة في التعلم، ويشعر أنه في سباق مستمر بلا نهاية.
• المعلم الجاد في المدرسة، الذي لا يجد من يقدّر جهده أمام سطوة “النجم الخصوصي”.
خامسًا: التعليم بوصفه سوقًا
في ظل هذا الوضع، لم يعد التعليم في ذهن الكثيرين “رسالة” أو “مهمة وطنية”، بل أصبح:
• سوقًا فيه عرض وطلب، ومعلمون يُسوّقون لأنفسهم على طريقة المؤثرين.
• سلعة مشروطة بالقدرة المادية، لا حقًا متاحًا للجميع.
• أداة لتكريس الفجوة الطبقية بدلًا من أن تكون أداة للعدالة الاجتماعية.
وهذا هو الانقلاب الأكبر: حين يتحوّل التعليم من قوة تحرر إلى سلاح للتمييز.
سادسًا: هل من سبيل إلى إصلاح؟
الحل ليس في منع الدروس، بل في كسر الحاجة إليها، عبر:
1. تحسين جودة التعليم داخل المدارس، وتوفير شرح فعّال ومقنع.
2. رفع كفاءة وتدريب المعلمين، وتحفيزهم ماديًا ومعنويًا للعمل داخل المنظومة الرسمية.
3. إعادة بناء الثقة بين الطالب والمدرسة.
4. إطلاق منصات تعليمية وطنية مجانية أو شبه مجانية تنافس السوق الخاص.
5. إدماج الأهل في العملية التعليمية عبر التوعية والتوجيه، بدلًا من تركهم فريسة للابتزاز التعليمي.
حين يبتلع السوق فكرة التعليم
الدروس الخصوصية ليست مجرد درس إضافي، بل نموذج موازٍ لمجتمع مقلوب القيم، حيث يصبح الحق امتيازًا، والعلم سلعة.
ولن نخرج من هذا المأزق إلا إذا قررنا أن التعليم ليس سوقًا نربح منه، بل بوصلة نبني بها مستقبلنا.
الاقتصاد الذي يبتلع الملايين في الدروس، هو نفسه الاقتصاد الذي يحرم أطفالًا آخرين من الحلم، ومن الأمل، ومن العدالة.