الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (16)
نفسية المراهق في الثانوية العامة: بين التمرد والإرهاق
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
حين يُختزل العمر في عام
في عمر السادسة عشرة أو السابعة عشرة، لا يُفترض أن يحمل المراهق همَّ المصير، ولا أن يُختزل مستقبله في رقم نهائي.
لكن في العالم العربي، وتحديدًا في مصر، تتحوّل المرحلة الثانوية إلى امتحان حياة أو موت، ويمتد الظل الثقيل للثانوية العامة ليبتلع سنوات المراهقة كلها.
في هذا السياق الضاغط، لا تعود الثانوية مجرد مرحلة دراسية، بل ساحة قتال نفسية تتصارع فيها مشاعر التمرد، والإرهاق، والضغط المجتمعي، والخوف من الفشل.
فكيف يتعامل المراهق مع كل ذلك؟ وهل نراه حقًا، أم أننا لا نراه إلا حين يرسب… أو ينهار؟
أولًا: المراهقة… المرحلة الأكثر تعقيدًا
علم النفس يصف المراهقة بأنها:
• مرحلة البحث عن الهوية والانفصال النفسي عن الوالدين.
• زمن التغيّر الجسدي والعاطفي السريع.
• وقت تتصاعد فيه مشاعر التمرد، القلق، التوتر، والحساسية من النظرة المجتمعية.
ويُفترض أن يُعطى فيها المراهق مساحة للتعبير، والتجريب، والتأمل، والخطأ الآمن.
لكن ما يحدث في الثانوية العامة هو العكس تمامًا:
تُحاصر هذه المرحلة بالقلق، ويُضغط المراهق ليكبت كل مشاعره من أجل “التركيز”.
ثانيًا: بين مطرقة الأسرة وسندان المجتمع
المراهق في الثانوية لا يواجه فقط الامتحانات، بل:
• أُسرة ترمي عليه كل آمالها، وتراه مشروعًا لتحقيق ذاتها.
• مدرسون يعاملونه كآلة تجميع درجات لا ككائن حي.
• مجتمع يُراقبه بعين الناقد لا المشجّع: “خالك جاب 98%، ابن عمك دخل هندسة، وأنت؟”
• منصات تواصل اجتماعي تصوّر النجاح كقصة أسطورية أو فشلًا مهينًا.
وسط هذا كله، تختنق المراهقة، وتضيع الهوية، ويتحوّل الطالب إلى خائف دائم، أو غاضب صامت، أو متمرد جريء.
ثالثًا: التمرد كصرخة غير مسموعة
كثير من المراهقين في هذه المرحلة يُظهرون سلوكًا عدوانيًا أو انسحابيًا:
• رفض الدراسة أو الإهمال المتعمد.
• التعلق الزائد بهاتفه أو أصدقائه.
• الدخول في صدامات متكررة مع الأسرة.
• أو العكس: الانغلاق التام والصمت والاكتئاب.
كل ذلك ليس بالضرورة “قلة أدب” أو “كسر للتركيز”، بل هو رسالة نفسية صامتة تقول: “أنا متعب، أنا مشوش، أنا لست آلة”.
رابعًا: الإرهاق الخفي… المرض الذي لا يُرى
في صمتٍ، تتزايد بين طلاب الثانوية أعراض مثل:
• اضطرابات النوم.
• نوبات الهلع.
• فقدان الشهية أو الأكل القهري.
• الشعور المستمر بالفشل، حتى لو كان المتفوق الأول.
• التفكير في إيذاء الذات أو الانتحار — وهي ظاهرة باتت تستحق دق ناقوس الخطر.
كل ذلك يحدث تحت راية “المذاكرة الجادة”، لكنه في الحقيقة نزيف نفسي مستتر لا تراه العين إلا بعد فوات الأوان.
خامسًا: التعليم بلا نفس… كارثة مؤجلة
عندما نُقصي الجانب النفسي من العملية التعليمية، نرتكب خطأً قاتلًا:
• نُخرّج طلابًا مكسورين نفسيًا وإن حصلوا على أعلى الدرجات.
• نُعمّق داخلهم كرهًا خفيًا للتعلم والمدرسة والمجتمع.
• نزرع فيهم الخوف من الخطأ بدلًا من حب التجربة.
• نقتل شغفهم، ثم نلومهم على قلة الإبداع.
وهذا لا يهدد الأفراد فقط، بل ينسف فكرة التعليم كوسيلة لبناء إنسان سوي ومتوازن.
سادسًا: ما الذي يحتاجه المراهق فعلًا في هذه المرحلة؟
• مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره بلا خوف أو سخرية.
• من يستمع له بصدق، لا من يُلقنه فقط.
• دعم نفسي حقيقي في المدرسة، من أخصائيين لا مجرد مراقبين.
• تفهم من الأسرة أن التفوق ليس كل شيء، وأن الإنسان أهم من النتيجة.
• رسائل مجتمعية تسانده، لا تضعه في موضع المقارنة أو العار.
لنعترف أن المراهق ليس بطلًا خارقًا
المراهق في الثانوية العامة ليس مشروع كلية، ولا وسيلة فخر، ولا آلة درجات.
إنه إنسان هش، يتشكل، يبحث عن ذاته، يتألم، ينهار أحيانًا، ويتمرد أحيانًا.
وإذا لم نرَه في هذه اللحظة المفصلية، وإذا لم نحضنه حين يتألم،
فلا لوم عليه إن خذلنا يومًا… لأنه ببساطة، خذلناه أولًا.