الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (15)

الطلاب المتفوقون: هل ينجو المتفوق حقًا؟

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

حين يصبح التفوق عبئًا
في الثقافة التعليمية السائدة، يُنظر إلى الطالب المتفوق بوصفه “الناجي”، “الأمل”، “نموذج النجاح”.
هو الذي نجح في القفز فوق الأسوار العالية للثانوية العامة، ونال مجموعًا يُحسد عليه، والتحق بكليات القمة.
لكن خلف هذا التصور المثالي، هناك حقيقة أكثر مرارة:
هل المتفوق ينجو حقًا؟ أم أنه يدخل في دوامة جديدة، أكثر قسوة؟
هل يحصل على ما يستحق؟
هل يجد بيئة ترعاه وتُنمّي قدراته؟
أم أن النظام يُكافئه بإرهاقٍ جديد، ويستخدمه كواجهة لا أكثر؟
أولاً: من هو المتفوق في الأصل؟
في النظام الحالي، المتفوق هو:
• من جمع أعلى الدرجات.
• من حفظ أكثر عدد ممكن من المعلومات.
• من استطاع التكيف مع نظام امتحان يقيّم الذاكرة لا التفكير.
لكن… هل هذا تفوق حقيقي؟
هل الامتحان الحالي يقيس الفهم، التحليل، الإبداع، حل المشكلات؟
أم أنه يقيس فقط القدرة على التحمل والانضباط وتكرار النموذج المطلوب بدقة؟
إن كنا نخلط بين الاجتهاد والتفوق الحقيقي، فنحن نخدع أنفسنا، ونخدع أبناءنا.
ثانيًا: المتفوق في فخ “كليات القمة”
ما إن يدخل الطالب كلية مثل الطب أو الهندسة أو الاقتصاد، حتى يكتشف:
• منهجًا دراسيًا جامدًا، نظريًا، مكدسًا.
• أساتذة لا وقت لديهم لرعاية المواهب.
• بيئة تنافسية مرهقة بلا دعم نفسي أو إنساني.
• غياب فرص الإبداع، وقلة الموارد الحقيقية.
وهكذا، من كان في الثانوية “نجم الفصل”، يجد نفسه ضائعًا وسط الزحام، محطمًا أمام واقع لا يرحم.
ثالثًا: المتفوق في مواجهة المجتمع
كذلك، يُحمّل المجتمع الطالب المتفوق عبئًا رمزيًا:
• أنت النموذج.
• أنت الأمل.
• لا مجال للخطأ أو التعب أو التراجع.
لكن هذا ضغط نفسي هائل، يجعل المتفوق أسير صورة مثالية لا تطابق واقعه.
فإذا فشل لحظة، أو تعب، أو شكّ، شعر بالعار والخزي، لا بالإنسانية.

ت 10000رابعًا: لا دعم حقيقي للموهبة
في بلاد كثيرة، يُعامل المتفوق على أنه ثروة وطنية:
• يُرعى في مراكز خاصة.
• يُمنح فرصًا للبحث والسفر والتجريب.
• يُحاط بشبكة دعم نفسي وأكاديمي.
أما في كثير من الدول العربية، فالمتفوق يُترك ليُكمل الطريق وحده.
تُنتزع منه المساعدة ما إن يدخل الكلية، ويُطلب منه أن “يثبت نفسه” في بيئة غير عادلة، لا ترعى التميز.
خامسًا: التفوق لا يساوي النجاح في الحياة
المفارقة أن كثيرًا من المتفوقين:
• يتخرجون ليواجهوا سوق عمل لا يعترف بتفوقهم الأكاديمي.
• يجدون أن من حصلوا على مجموع أقل قد سبقوهم في المسارات العملية.
• يُحبطون حين يكتشفون أن النجاح في الواقع يحتاج مهارات لم يتعلموها قط: التفكير النقدي، التفاوض، المبادرة، العلاقات.
وهكذا تتحطم أسطورة “المتفوق هو الناجح”، وتظهر الحقيقة القاسية:
التعليم لم يجهزهم للحياة، بل لمجرد اجتياز الامتحان.
سادسًا: من المسؤول عن إنقاذ المتفوق؟
إذا أردنا لمتفوقينا أن “ينجوا”، لا يكفي أن نحتفي بهم في نشرات الأخبار.
نحتاج إلى:
1. إصلاح جذري في مفهوم التفوق: لا درجات فقط، بل فهم وإبداع ومهارة.
2. مسارات تعليمية متنوعة تحتضن كل نوع من الذكاء: العلمي، الفني، الاجتماعي، العملي.
3. شبكة دعم نفسي وأكاديمي حقيقي داخل الجامعات والمدارس.
4. فرص فعلية للنمو خارج القاعات الدراسية: من مسابقات، ومشروعات، وتدريب، وسفر.
5. نقل الحوار من المجموع إلى القيمة: ما الذي يستطيع هذا الطالب أن يضيفه لمجتمعه، لا فقط ما حصل عليه في امتحان!
التفوق الحقيقي يحتاج وطنًا يرعاه
السؤال ليس: “هل ينجو المتفوق؟”
بل: هل نمنحه فرصة حقيقية للنجاة؟
هل نبني له جسورًا نحو المستقبل، أم نضعه في سباق لا نهاية له، فقط ليُثبت لنا أنه يستحق لقب “الأول”؟
التفوق الحقيقي لا يُقاس بدرجة، بل بما يصنعه الإنسان بعقله وضميره وشغفه.
وما لم نُغيّر هذا المفهوم، فإننا سنظل نُخرّج متفوقين يحملون أعلى الشهادات… وأعمق الخيبات.

زر الذهاب إلى الأعلى