الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (13)
القدرات أم الدرجات؟ تجارب عالمية لاختيار طلاب الجامعة
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
حين تصبح الدرجة صنمًا
في عالمنا العربي، وخاصة في مصر، ما زالت درجة الثانوية العامة هي “المفتاح السحري” الذي يفتح أو يغلق أبواب المستقبل الجامعي.
تحدد الكلية، والمكانة، وأحيانًا المصير المهني والاجتماعي.
لكن هذا النظام القائم على رقم واحد وامتحان واحد، يُواجه اليوم تساؤلات حادة:
هل يعكس حقًا قدرات الطالب؟ وهل هو الطريقة الأنسب لاختيار طلاب الجامعات؟
وهل يمكننا أن نتعلم من تجارب العالم التي تجاوزت “عبادة الدرجات” نحو نماذج أكثر عدلاً وإنسانية؟
أولاً: لماذا نعيد التفكير في معيار الدرجات؟
لأننا ببساطة أمام مظاهر مأزومة:
• طلاب يحفظون دون فهم فقط من أجل “المجموع”.
• سباق جنوني نحو كليات القمة، وكأن الباقي لا قيمة له.
• إقصاء آلاف الطلاب الموهوبين فقط لأنهم لم ينجحوا في اختبار واحد، في يوم واحد.
• ضغوط نفسية تحوّل المرحلة الثانوية إلى كابوس جماعي.
هكذا، تحوّلت الدرجة إلى ما يشبه العدالة الرقمية الباردة: لا تسأل من أنت، ولا كيف تفكر، فقط: كم جمعت من رقم؟
ثانيًا: ماذا تفعل الدول التي سبقتنا؟
دعونا نخرج من الحدود، وننظر إلى تجارب دول أعادت التفكير في هذه القضية جذريًا:
1. الولايات المتحدة: ملف الطالب الشامل
الجامعات الأمريكية، خاصة الكبرى، لا تعتمد فقط على درجات SAT أو ACT، بل تنظر إلى:
• أنشطة الطالب خارج الدراسة (رياضة، فن، خدمة مجتمعية).
• مقالات شخصية يكتبها الطالب عن نفسه.
• رسائل توصية من معلمين.
• المقابلات الشخصية في بعض الكليات.
• خلفية الطالب وظروفه الاجتماعية.
الهدف: اكتشاف “الشخصية المتكاملة”، لا مجرد “آلة تحصيل”.
2. فنلندا: لا امتحانات وطنية موحدة
في فنلندا، لا يوجد امتحان ثانوية عامة بالمعنى الذي نعرفه.
الجامعات تُجري اختبارات خاصة بها، أو تعتمد على مقابلات شخصية، أو مشروعات تطبيقية.
الثقة في المدرسة، والمناهج المفتوحة، تمنح مساحة للإبداع والتقييم المستمر.
3. ألمانيا: نظام النقاط المتعددة
يعتمد القبول الجامعي على مزيج من:
• متوسط درجات الثانوية.
• أداء الطالب في مواد التخصص المطلوبة.
• اختبار قدرات (مثل TMS في الطب).
• فترة تطوعية أو تدريب عملي في بعض الحالات.
الهدف هو تكوين صورة أوسع عن الطالب.
4. سنغافورة: التعليم بالمهارات لا بالامتحانات
رغم نظامها الصارم، بدأت سنغافورة في السنوات الأخيرة إعادة النظر في مركزية الامتحانات، ودمجت:
• اختبارات مهارية.
• تدريبات عملية.
• مقابلات شخصية في القبول الجامعي.
وذلك لتقدير الكفاءات الحقيقية، لا مجرد الحفظ المؤقت.
ثالثًا: ما الذي يمكننا تعلّمه؟
التجارب العالمية تشترك في فكرة جوهرية:
الدرجات مهمة، لكنها ليست كافية.
إنها فقط جزء من صورة الطالب، لا الصورة الكاملة.
فالمطلوب هو:
• قياس القدرات العقلية والمهارات الشخصية، لا الحفظ فقط.
• احترام التنوع البشري في طرق التفكير والتعلم.
• خلق نظام مرن ومتعدد القنوات للقبول الجامعي، يمنح فرصة للموهوبين بطرق مختلفة.
رابعًا: هل يمكن تطبيق ذلك في مصر والعالم العربي؟
قد يبدو الأمر صعبًا، لكنه ليس مستحيلاً. نحتاج إلى:
1. إعادة تعريف “النجاح”: هل هو فقط المجموع، أم القدرة على الإبداع والتفكير والنمو؟
2. تجريب بدائل تدريجية: كاختبارات القدرات، والمقابلات، والأنشطة اللامنهجية.
3. تأهيل المعلمين والممتحنين على أدوات تقييم متنوعة.
4. إصلاح ثقافة المجتمع، التي لا ترى النجاح إلا في “الطب والهندسة والإعلام”.
لن تُحلّ الأزمة بيوم أو قرار وزاري، لكنها تبدأ من رؤية جريئة تعترف بأن الإنسان أعمق من رقمه.
من نُريد أن يدخل الجامعة… آلة حفظ أم عقل باحث؟
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: كم جمع الطالب من الدرجات؟
بل: هل هو مستعد للتعلم الحقيقي؟ هل يملك مهارات الحياة؟ هل يمكن أن يُساهم في وطنه بعقله لا فقط بشهادته؟
عندها فقط، نتحرر من سجن الأرقام، ونبدأ بناء جامعة الإنسان، لا مجرد جامعة النتيجة.